سحرُ العقول وعظمة التواصل

التواصلٌ البشريٌّ على مَرّ الزمان وبتعاقب الأجيال يعتمدٌ في جُلِّهِ على التواصل بالكلام، ولهذا فإنّه ومن الضروريّ وضعُ نَهجٍ واضح وثابت لرسم ملامح أدب تذوّق الكلمات المتداولة في المجتمع الإنسانيّ، ووضع خارطةٍ معالمها جليّة لعقل كل ذي فكر وثقافة، فالكثير من أصحاب العقول الجميلة والفكر الرزين تنسابُ الكلمات من بين أصابعهم حين يرغبون بالتعبير عنها، فلا يٌسعفهم النّسق الذي يتبعونه في سرد أفكارهم وطرحها، مما يجعلُ كمّاً هائلاً من المعلومات والأفكار الخلّاقة تموتُ وهي في طريقها إلى الحياة! 
 

كما وأنّ القلّةِ ممن قد يفهمون مقاصدَ الكلمات المُبهَمة في طريقة عرضها، قد يستحوذون على النّصف منها أو ما دون ذلك! ممّا يجعلهم -لربّما- يقعون في خلافاتٍ وتعارضاتٍ جذريّةِ مع أصحاب هذه الأفكار غير المنسّقة؛ لنقصٍ في الصورةِ الذّهنيّةِ التي تشكّلت لديهم على إثر سوء الفهم! وهذا يجعلنا نقفُ مُطوّلاً أمام اللوحةِ التي نحتفظ فيها داخل متاحفَ أفكارنا وعقولنا عن مفهوم "الحوار" الذي يضمًّ كلّ ما يتعلّقٌ بالتواصل البشريّ باستخدام الكلمات، كيفيّة الطرح، النّقد، التعارض، وحتى التوافق الفكريّ مع الطرف الآخر وكيفيّة ترتيب الأفكار والبوح بها؛ لإيصال المقاصد المنشودة من الكلام وليس لتوسيع فجوةِ النّزاعات الفكرية المحتدّة بفهم ما لا يٌقصَد و عدم فهم ما يٌقصَد!

ولأنّ العِلمَ في الصِّغر كالنّقش على الحجر؛ فمن الضرورة الإشارة إلى أنّ الطريقة والنّهج الذي تربّينا عليه وتتربّى عليه الأجيال الصاعدة يؤثّرُ في البٌنية الفكرية والتعبيريّة لديهم، ومرتبطة ارتباطاً وثيقاً بما يلحظونه من سلوكيات حولهم، وطريقة الحوار المُتبنّاة في أٌسَرِهم، وفي البيئات المحيطة بهم تشكّلُ لديهم تصوّراً عن التواصل البشريّ وترسمُ الكثير من ملامح اللوحات الذهنيّة التي ترتبط لديهم فيما بعد بمفهوم "الحوار"!

لذلك فإنّ الكثير قد يواجه صعوبةً في التعبير عن مكنوناته وما يدور في خلجاتِ قلبه وثنايا عقله، لعدم امتلاكه لأساسيّات النّهج التعبيريّ للفكر، وترتيب الكلمات بما يتوافق ومقاصده! والبعضُ الآخر قد يفشلُ في فهم الطرف المقابل الذي يتجاذبُ معه أطراف الحديث؛ لخطأٍ في مفهومه حول آداب الحوار وكيفيّة تقبّل الآخر سواء أكان معارضاً أم موافقاً لرأيه مع وجود بعض الاختلافات بينهما، فيؤدي ذلك إلى لاختلاف المتنامي مع أي فكرٍ قد يتعارض معه -في بعضهِ أو في كلّه- ظنّاً منه أنّه قد استحوذ على الموسوعات الفكريّة والاعتقادات الصحيحة المُطلَقة، ناسياً أنّهُ بذلك يتجرّدُ من إنسانيته وفطرته الناقصة!

جمالنا باختلافنا، وكمالنا باختلافنا، لكلٍّ منّا فرشاةٌ فكريّة يلوّن بها لوحاته ويجمّلُ بها زوايا رُؤيته للأشياء حوله، واختلافٌ ألواننا هو ما يمنحنا ألوان قوس قزح بعد هطولٍ كثيفِ للمطر.

الحوارات الإيجابية بين الناس تبني في عقولهم الكثير، وقد تٌنير في أنفسهم ظٌلماتٍ عتيقة وتفتح بصائرهم لجمالٍ حسبوه يوماً مجهولاً غير مرئي،كما السّحر للعقول؛ إنّها تُحيل أعظم اختلافٍ إلى أعظم فنِّ قد ترسمه الإنسانيّة جمعاء، هي الحوارات المبنيّة على تقبّل الآخر وتفهّمه، على الاحترام المتبادل ومساعدة الطرف الآخر على إيصال أفكاره؛ بالاستماع إليه، وبيان مقاصده المرجوّة؛ بتوضيحها بطريقةٍ مبسّطة، ومناقشة الأفكار وليس ذوات الأشخاص، توجيه النقد كذلك للفكرة وليس للشخص الماثل أمامك، حٌسن السلوك العام؛ بعدم رفع الصوت وتوجيه التُّهم غير المبررة فقد لكسب الحوار، إنّها تٌكسبنا الجمال في اجتماعنا وتلوّن أفكارنا!

علينا الاتفاق على مفهوم الحوار؛ بأنّه يكون بعرض وجهات النظر والأفكار بتوافقها واختلافها، وأن يكون مبنيّاً على الاحترام والتّقبل والانفتاح على فكر الطرف المقابل، وهدفنا المنشود منه هو الوصول للحقيقة، توسيع رُؤانا ومدى أفكارنا، وأن نضعَ القطعَ الناقصة في أحجياتِ فهمنا في مكانها حتى نقترب للكمال! 

إنّنا كما الأزهار في حقلِ مُمتدِّ لا نهايةَ له، جمالنا باختلافنا، وكمالنا باختلافنا، لكلٍّ منّا فرشاةٌ فكريّة يلوّن بها لوحاته ويجمّلُ بها زوايا رُؤيته للأشياء حوله، واختلافٌ ألواننا هو ما يمنحنا ألوان قوس المطر بعد هطولٍ كثيفِ لقطرات أفكارنا حين نتبادلها في أفق عقولنا. وسنسعدُ لو تقبّلنا اختلافنا بمنظره البهيّ معاً! فهلّا اتفقنا جميعنا يوماً على اختلافنا، وأننّا لن نخاف أبداً هذا الاختلاف!



حول هذه القصة

قالت منظمة “أنقذوا الطفولة” في تقرير إن سنوات الحرب الست في سوريا خلفت آثارا نفسية عميقة لدى كثير من الأطفال، وزادت خطر الانتحار والاكتئاب وتعاطي المخدرات على المدى الطويل.

استبعد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم قيام بلاده بحملة عسكرية ضدّ منبج السورية في الوقت الحالي، بينما أعلنت واشنطن نشر جنود بالمدينة بهدف “الردع ومنح الثقة”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة