أن تكون أباً لثلاثة!

الساعة الآن الواحدة ليلاً، للتو أنتهي من مهماتي الأبوية، بعد استسلام ثالثهم للنوم بعد تأوه ومعاناة شبه يومية من مغص لا يفارق الصغار في هذا العمر. هم الآن ثلاثة، يتتابعون في تسلسل أنيق، ويتمايزون في لوحة ذات وجه طفولي بريء.
 

فأما الأولى، فلا تنام قبل أن تأخذ حصتها من قبلات وأحضان تطلبها مراراً وتكراراً، وأما الثانية فتنام على أنغام قصة ما قبل النوم، لا يهم إن كانت قد أكملتها أم لا، وأما الثالث فهمه أن يمنح فرصته في توسد وسادته لاستكمال جرعاته المتقطعة من النوم.
 

من الممتع فعلاً أن تعيش يومك بين كائنات لطيفة، تستيقظ مبتهجة وتعيش جمال اللحظة وتنام بسرور بعد ان أدت ما عليها من لعب وشقاوة. أن تكون أباً لثلاثة، هو شعور مختلط بين المسؤولية المتعاظمة، والجمال الأسطوري في أن تحيط بك بلابل تغرد لك، وأرواح دائمة البهجة لا تعرف حزناً دائماً أو حقداً مبطناً.
 

أن تكون أباً لثلاثة، يعني أن شعوراً بالمسؤولية داخلك بدأ يتعاظم، وأن خوفاً وعطفاً أبويا بدأ يتشكل ويتزايد أكثر فأكثر، وأن طفولة كامنة بداخلك بدأت تظهر وتسترجع ما قد نسيته منذ سنوات.

أن تكون أباُ لثلاثة، يعني أن يومك مقسم بين واجبات في الخارج وأخرى تنتظرك في الداخل، ابتداء من باب المنزل وانتهاء بقبلة تسندها على جبينهم عند النوم.
أن تكون أباً لثلاثة، يعني أنه لزاماً عليك نزع التكلف واستدعاء ساعات لعب طفولية، وتكرارها طواعية بكل ما فيها من سذاجة وبساطة.
 

أن تكون أباً لثلاثة، يعني أنك لا تدري متى يبدأ يومك بشكل رسمي، فضلاً عن أن تعرف متى يمكن لفراشك أن يستقبلك لتنال أعضاؤك قسطها من الراحة.
أن تكون أباً لثلاثة، يعني أن تستيقظ ليلاُ لتدور على أسرّة ثلاثة تتفقد من فيها، فترفع غطاء سقط، وتهدأ صاحب كابوس مزعج، وتسقي أحدهم ماء يروي بقية أحلام ليله.
 

أن تكون أباً لثلاثة، يعني أن أوقات دراستك أصبحت متقطعة، وأوقات فراغك ممزقة الأوصال ومتفرقة، وأن زمن الساعات المتواصلة المملة ولّى عهده إلى غير رجعة. وأنه يعني بالضرورة أن تعتاد الجلوس ضمن فوضى الأقلام والألوان والدمى وقصاصات الأوراق وبقايا ألعاب مبعثرة.
 

أن تكون أباً لثلاثة، يعني أن تكون ذي نَفَس طويل، وقدرة على ضبط النفس، وتفهم أن ما يفعلونه لا يقصدونه بالضرورة!
أن تكون أباً لثلاثة يعني أن حياتك تغيرت بالكلية، وأن وقتك لم يعد ملكك وحدك، وأن وقت التحضير للخروج من المنزل لم يعد بالسرعة التي كنت قد اعتدتها مع أصدقاء الجامعة!

أن تكون أباً لثلاثة، يعني أن شعوراً بالمسؤولية داخلك بدأ يتعاظم، وأن خوفاً وعطفاً أبويا بدأ يتشكل ويتزايد أكثر فأكثر، وأن طفولة كامنة بداخلك بدأت تظهر وتسترجع ما قد نسيته منذ سنوات، وأن تصرفات لم تعتد أن تتصرفها أصبحت محببة إلى قلبك.
 

أن تكون أباً لثلاثة، يعني أن ترى السرور المستمد من ضحكاتهم وقهقهاتهم، وأن تشعر بالتعب المتزايد بتعاظم الجمال المستمد من لعبهم وركضهم.
أن تكون أباً لثلاثة، يعني أن أضلاع الحياة عندك قد غدت ثلاثة!



حول هذه القصة

لم يفلح الأطباء في البداية في تشخيص مرض نادر أصيب به الطفل حمد، لكن أباه الصحفي بقناة الجزيرة عمار عجول أصر على أن لا يستسلم ومضى يبحث في مجال الطب حتى وجد ما ساعد على كشف المرض ونال تقدير المختصين في المجال.

غادرت الأرملة زينات مخيم اليرموك مع أبنائها الخمسة فرارا من الحرب. وبعد استنفاد رصيدها وتعرضها لسلسلة عمليات احتيال، لم تجد بدا من مواصلة رحلة اللجوء وركوب البحر إلى اليونان.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة