عن ليل اليتامى.. حدثيني يا سوريا

blogs- syrian child
حدثني عن ليل اليتامى، عن طفلة تعانق خيبتها سماءها غيم وقلبها أزرق، غابت عنها الشمس حين غاب عنها والديها، فضاقت بها الدنيا على اتساع وأظلمت على نور، وغدت دمشق لها رواية عتيقة ووطنها مخيم، وروحها كروح دميتها خاوية، جوفاء، مسجونة الفراغ، لا صوت لها فيطرِبُ، ولا سمع لها فيطرَبُ.
 

أول يوم بالمخيم كان باردا يقتلع الأطراف من شدته، ويجمد الدماء في الشرايين، في تلك اللحظات كانت هي وحيدة باهتة الروح، شريدة القلب عالقة بين الوطن والمخيم، بين فروضها المدرسية ومعدتها الخاوية، ضمت دميتها بقوة، ألصقتها بصدرها، تسد بها شقوقاً أحدثتها الوحدة.

نظرت لدميتها، كانت تبتسم، منذ أن عرفتها وهى تبتسم، ذات الابتسامة، بيد أنها لم تكن واسعة كابتسامة أمها حين سعادة، وحدها الدمى التي تبتسم على الدوام في هذا المخيم، إنها تواسينا بابتسامتها وإن كان خواءها يسلبنا الأمان، فعلى الأقل إصرارها على الابتسام في تلك اللحظات الحالكة، يمدنا بالثقة والإيمان الذي أنهكه طول البلاء.

ليل اليتامى هنا باهت خاو من الحياة، أخرق تماما كقلوب العرب، تخذلنا أوجاعنا فنبتسم رغما عنها، نار الحطب وحدها لا تكفي لتدفئة قلوب أصابها برد الانتظار بالإعياء. كل الصباحات التي سبقت صباح اليتم لم تكن سوى جرعات صبر تسلي قلبها البرئ، تعلمه الوجع حتى يعتاده، تحشو روحها بالذكريات التي تدفعها لتبتسم من جديد ولو لثوان سيغتالها اليتم بعد لحظات.

تفاصلينا الصغيرة شوكة دفنت نفسها بقاع قلوبنا، نصرعها بالنهار وتصرعنا بالليل. تماما كذاكرة غائبة تحرضها الوسادة على استعادة وعيها. صباح ثان في المخيم أتى غير اعتيادي، لأول مرة يباغتها فلاش الكاميراً دون أن يخبرها أن الفتيات الجميلات لابد عليهن أن يبتسمن، هكذا كان يخبرها المصور في كل مرة تذهب بها أمها لمصور الحي، لتطعم ذاكرتها الجائعة ذاكرة جديدة تعانقها ابتسامة.

تفاصلينا الصغيرة شوكة دفنت نفسها بقاع قلوبنا، نصرعها بالنهار وتصرعنا بالليل. تماما كذاكرة غائبة تحرضها الوسادة على استعادة وعيها!

الكاميرا ذاتها والفلاش أيضا، ولكن المصور اختلف، هيئته المرتبة، شعره اللامع، شغفه بالكسب من وراء الصورة، أذهب بهجتها، حتى بدت كحجر دحرجه إلى قلبها الصغير فدهسه عن عمد منه وإصرار، صوتها الجريح يلسع قلبه: أدر عدستك عن وجهي… أضاقت بك الدنيا فجئت تتاجر بدمعي؟!

عجباً لهذا العالم صاحب الإنسانية الزائفة ينساهم طوال العام ثم يتذكرهم حين صورة، يقلع عن تعاطي أخبارهم، ثم يتناولها على عجل في حضور مائدة دسمة من الترف الفاحش الذي بات يشبه مساحيق النساء كاذب يخفي الحقائق.

 وارت الطفلة جسدها عن المصور خلف كومة من الملابس المهترئة، تأملتها الطفلة بعين كسرها العوز، وتساءلت؟ هل فقدت الأحلام بهجتها أم فقدت البهجة القدرة على التمني؟! كصيد ثمين تطاردها كاميرا المصور، صورة كتلك قادرة على جذب ملايين المتابعين ودر ضرع الشهرة، ترمقه الطفلة بنظرة يائسة وكأنها تقول أضاق بك العالم فجئتنا هنا تتاجر بأوجاعنا؟! أيها القارئ لسطوري.. هل لي أن أسألك؟ هل جربت مشاعر طفلة تخلى عنها العالم وروحها تغتصب، كيف تكون؟!