تصلب الأحكام الفقهية

blogs - الدين
الميول الشخصي والبيئة التي يعيش فيها الإنسان، كلاهما يؤثران بشكل أساسي في قراراته سلبا أو إيجابا.. لا أتكلم عن القرارات التي يسهل الحسم فيها، كأن يقرر والد ما أخذ ابنه المريض إلى المستشفى بدلا من أن يدعه يصارع الألم أو الموت، إن مثل هذه القرارات حاسمة للإنسان السوي.. القرارت التي يتدخل فيها هذان العنصران، هي القرارات التي لا يمكن الحسم فيها للوهلة الأولى، وهذا مدار اختلاف البشر بشكل عام..

هذا الأمر ينطبق فعليا على القرار الذي يأخذه الفقيه بين الحرمة والإباحة في المسائل التي تخضع للاجتهاد، فهو يعتمد بشكل كبير على ثقافته التي ترعرع عليها أو البيئة التي نشأ فيها من جهة، ونمطه الشخصي من جهة أخرى، فهذان العنصران هما بمثابة النظارة التي ينظر من خلالها في الأدلة والنصوص، ويعتمد في بعض الأحيان على مزاجه في وقت الفتوى، وهذا هو سبب امتناع القضاة عن القضاء حين الغضب..
 

كان ذلك الأمر واضحا في حياة الأئمة والفقهاء منذ عهد الصحابة، وهذا ما يفسر اختلاف مدارس الفقه باختلاف أماكنهم، وعلى الصعيد الشخصي فهذا ما يفسر اختيار أبي بكر أن يوتر قبل النوم، بينما كان الفاروق يوتر آخر الليل، وهما من هما.. ومن لديه إلمام بالفقه الإسلامي، سيدرس الأسباب التي خلقت المدارس الفقهية المختلفة، ومناخ كل مدرسة بعينها..
 

ليس من السهل أن يطيب الحديث بين مهندس أو تاجر لا يعرف عن علوم الشرع شيئا، وبين بدوي لا يعرف غير العلم الشرعي، فكان لا بد من صناعة تكتلات ممنهجة وغير ممنهجة لتتجانس اهتماماتهم وأفكارهم، مما أدى إلى توعر الفقه وتصلبه.

أين المشكلة إذن؟!
المشكلة في أن يهيمن توجه بعينه على هذا المجتمع الضعيف الذي لا يملك رؤية واضحة عن الدين، وأكاد أجزم أن الغالبية العظمى من طلبة العلم الشرعي في المجتمع الذي أعيش فيه هم من أهل البادية، وهذا بحد ذاته ليس عيبا، أنا في الحقيقة أحب البادية وأحب أن أعيش فيها، ومنذ أن حدثني المتنبي عن حسن البدويات فأنا أتوق إلى البادية:
ما أوْجُهُ الحَضَرِ المُسْتَحسَناتُ بهِ
كأوْجُهِ البَدَوِيّاتِ الرّعَابيبِ
حُسْنُ الحِضارَةِ مَجلُوبٌ بتَطْرِيَةٍ
وَفي البِداوَةِ حُسنٌ غيرُ مَجلوبِ

عودا إلى الموضوع، المشكلة يا أصدقائي تكمن في ما جرت عليه العادة "السيئة " في مجتمعي، وهي أن طلب العلم الشرعي أمر هامشي في حياة الحاضرة، لم يكن من الطبيعي أن ترى شابا يلبس "تقويم الأسنان" في حلقات الذكر ومدارسة الفقه، بينما وجد البدوي بغيته في طلب العلم الشرعي، مما أنتج لنا جيلا يحمل من طباع الإبل والصحراء الكثير الكثير، ومما زاد الأمر صعوبة هو انغلاق طلبة العلم عن المجتمع، وأنا لا أعني هنا أنهم منغلقون عن البيع والشراء وأمور الحياة، بل أعني انغلاقهم ثقافيا.

فليس من السهل أن يطيب الحديث بين مهندس أو تاجر لا يعرف عن علوم الشرع شيئا، وبين بدوي لا يعرف غير العلم الشرعي، فكان لا بد من صناعة تكتلات ممنهجة وغير ممنهجة لتتجانس اهتماماتهم وأفكارهم، مما أدى إلى توعر الفقه وتصلبه، وطفقت هذه المدرسة تحتاط في جل المسائل، وتسد جل أبواب الحياة ذريعة، وتؤمل في الحرمة ما لا تؤمل في الحل، وتشق على نفسها وعلى غيرها طمعا في الثواب، حتى ضيقت على المجتمع جميع كواكب المجموعة الشمسية بما رحبت وتباعدت..

ومع ذلك فأنا متفائل جدا، لأنني رأيت في يوم غير بعيد طالب علم يدرس الشريعة لابسا تقويم أسنان مطرز بالشكل الذي تحبذه الموضة، لقد كان ذلك مشهدا واعدا في الحقيقة.. وحتى يكبر ذلك الفتى المدلل ويقوم مقام أبيه، فأنا أقترح عليكم ضرورة استقلال الفرد فقهيا، وهذا لن يكون بالطبع إلا بمعرفة الأصول، فما حك جلدك مثل ظفرك، فقم أنت بطهي شاهك..