"الصفقة الألمانية".. نبيع الإنسان ونكسب الأموال والانتخابات

Egypt's President Abdel Fattah al-Sisi and German Chancellor Angela Merkel shake hands following a news conference at the El-Thadiya presidential palace in Cairo, Egypt, March 2, 2017. REUTERS/Amr Abdallah Dalsh TPX IMAGES OF THE DAY
بعد مالي والنيجر وأثيوبيا، اتجهت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى مصر وتونس، حاملة معها مجموعة من العصيِ وبضعة كيلوجرامات من الجزر، من أجل إنجاز مجموعة ملفات استقرت في حقيبتها والتي أهمها على الإطلاق ملف اللاجئين والملف الاقتصادي، داهسة في طريقها ما شاء لها من مبادئ إنسانية. زيارة شيعت بالعديد من الاعتراضات من الأحزاب المعارضة في ألمانيا وبخطاب مفتوح متحفظ من بعض المحللين والخبراء والنشطاء الأوروبيون.

وتلخصت زيارتها لمصر في دعوتها الجانب المصري إلى الاهتمام بمسألة تأمين الحدود خاصة الحدود مع ليبيا لمنع تدفق اللاجئين وما أسمياه سويًا "المهاجرين غير الشرعيين" ملفتة نظر السيسي إلى أنه هناك 1000 مصري في ألمانيا يجب ترحيلهم إلى مصر، ثم قامت بافتتاح ثلاث محطات كهرباء نتاج صفقة زيمنز التي وقعت منذ حوالي العامين والتي مثلت وقتها صفعة لكل مبدأ إنساني وأخلاقي، وعلى استحياء وباستعلاء قامت ميركل بالإتيان على ذكر أهمية إعادة منظمات المجتمع المدني إلى العمل مرة أخرى.
 

ألم يخبر أحد المستشارة "ميركل" بأن الأموال التي تضخها إلى حكومات هذه البلدان لن تستغل في مصارفها المفترضة نظرًا لاستشراء الفساد فيها؟ 

ومن باب ذر الرماد في العيون التقت المستشارة الألمانية بعض النشطاء والحقوقيين المصريين. كما تلخصت زيارتها لتونس في الإشراف على المنتدى الاقتصادي التونسي الألماني ودعوة الباجي السبسي لحضور مجموعة العشرين المرتقبة في مايو القادم بالإضافة إلى اتفاقها مع الجانب التونسي على كيفية التعامل مع وضع 1500 طالب لجوء تونسي يعيشون في ألمانيا، ولم تأت المستشارة على ذكر أي من الأوضاع الإنسانية السيئة في تونس الواضحة للعيان والتي أشارت إليها عدة منظمات على رأسها العفو الدولية حيث قد حذرت في وقت قريب من ازدياد سطوة البوليس في تونس وانتهاكاته، وهذا أمر آخر يفضي إلى اعتبار تونس بلد غير آمن.

عرضت المستشارة الألمانية ملفاتها على حكام قمعيين ملوحة بعصا القطيعة ومظهرة لجزرة التغاضي عن القمع، فكان لها ما أرادت غير آبهة بأي من الاعتراضات سواء على المستوى الداخلي الألماني أو الأوروبي، تلك الاعتراضات التي انطلقت تحذر ومنذ فترة طويلة من تبعات مثل هذه الصفقات.
 

والاعتراضات على صفقات ميركل ليست وليدة زيارتها لشمال أفريقيا، بل إنها تعود إلى وقت توقيع اتفاقية أوروبا تركيا في مارس 2016 وبمقتضاها يتم إرجاع اللاجئين الذين يصلون إلى اليونان عبر بحر إيجة إلى تركيا مرة أخرى، والتي اعتبرتها منظمة العفو الدولية كارثة بكل المقاييس، وانتقدها لاحقًا Gauri van Gulik نائب مدير المفوضية الأوربية قائلًا: "إنه من العار حقًا أن يثني الساسة الأوربيون على اتفاق أوروبا تركيا مع وجود مثل هذه النتائج الكارثية، بينما يغضون الطرف عما يقاسيه الذين يعانون آثار هذه الاتفاقية" كما أكد وقتها أن الرفض غير القانوني لطلبات اللجوء وإرجاع الناس إلى تركيا لهو بمثابة انتهاك للقانون الدولي.
 

ثم عادت الانتقادات مرة أخرى أثناء زيارة رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد لألمانيا في منتصف فبراير الماضي حيث نددت Katrin Göring-Eckardt نائبة الخضر بهذه الصفقات المرتقبة قائلة: "لا يجب على ميركل تكرار نفس الأخطاء التي فعلتها في صفقتها مع الرئيس التركي أردوغان، فلكي تحمي ألمانيا من الانتقادات الغربية قامت بإبرام صفقة قذرة على حساب اللاجئين" ووقتها انتقدت رئيسة اليسار Katja Kipping قائلة "أنه على ميركل القيام بالضغط على رئيس الوزراء التونسي من أجل مزيدا من احترام حقوق الإنسان في تونس بدلا من الحديث حول إعادة اللاجئين".
 

نريد أن نؤكد على منافاة صفقات ترحيل اللاجئين لما تمليه المبادئ الإنسانية والقواعد القانونية الدولية والتي تتعارض مع إرجاع أناس إلى بلدان هربوا منها بسبب القمع أو حتى الفقر.

وفي محاولة باهتة لارتداء مسوح الإنسانية، أعلنت المستشارة وبعض من أيد ما فعتله، بأن الهدف من وراء ذلك هو وقف وردع تجار البشر وسماسرة التهريب من تعريض المهاجرين للموت من خلال نقلهم في قوارب غير آمنة وأن هذا التصرف فقط نابع من الخشية على حياة المهاجرين. ألم تعلم المستشارة ومن أيدوا قولها بأن هذه جمل مستهلكة اعتادنا سماعها من إعلاميو أنظمتنا القمعية لتبرير تجاهلهم لأصل الأزمة؟ ألم تساءل المستشارة نفسها سؤال عفوي صغير وهو: ما الذي يجعل مجموعة من البشر يعرضون حيواتهم لهذا الخطر المحقق ويركبون أهوال البحار؟ ألم يخبر أحد المستشارة بأن الأموال التي تضخها إلى حكومات هذه البلدان لن تستغل في مصارفها المفترضة نظرًا لاستشراء الفساد فيها؟ ألم تسمع أبدًا المستشارة عن إمبراطورية العسكر في مصر وعن فساد المؤسسة العسكرية وسيطرتها على مقدرات البلد؟
 

لم يهم المستشارة سوى إتمام صفقاتها ومحاولة إعادة الزخم قبيل الانتخابات المنتظرة، فأصرت على التحالف مع ودعم حكام لا يمثلون طموحات شعوبهم، بل قد يلا يمثلونهم بالمرة، هي تعلم أنهم يعتمدون في استمراريتهم على تغاضي الغرب عما يمارسونه من قمع وفساد وتخريب، وفي سبيل ذلك هم مستعدون لتقديم كل ما يطلب منهم.
 

في النهاية نحن لا نطالب بالتدخل لإزاحة هذا أو ذاك، أو حتى ردعهم، فهذه مهمتنا نحن كشعوب عليها أن تريد ثم تفرض إرادتها، قد نستطيع في وقت قصير وقد يستغرق ذلك أعمارنا وأعمار أولادنا، نعلم ذلك جيدًا، نحن فقط نطالب الحكومات الأوروبية بالتوقف ولو للحظة عن دعم الديكتاتوريات والأنظمة الفاشية والقمعية في الشرق الاوسط، كما نريد أن نؤكد على منافاة صفقات ترحيل اللاجئين لما تمليه المبادئ الإنسانية والقواعد القانونية الدولية والتي تتعارض مع إرجاع أناس إلى بلدان هربوا منها بسبب القمع أو حتى الفقر.