مقدمــات فشــل الدولة الليبية:
وصف واينر الدولة بأنها غير فعالة، حيث لايوجد تناسق بين إدارة الدولة وأذرعها التنفيذية، وبأن "تروس الدولة مفصولة عن عجلتها". وأشار واينر إلى وجــود فجوة تقنية كبيرة، حيث لاتملك الحكومة حتى منظومة الكترونية موحدة لسريان المعلومات وتعقبها، واستشهد بأنه لم يقابل مسؤولا واحدا له بريد إلكتروني "حكومي".
| لاحظت أن الليبين لا يقولون "لا" لبعضهم البعض فحسب، بل إنهم "يبتهجون بذلك! وبدأت أستمع لصوت القذافي في رؤوسهم". وتمثل ذلك في فكرة "السلطة بيد الشعب" فكل شخص "يملك السلطة" واحتكار اتخاذ القرار! |
رجح واينر بأن هـذه الفجوات التقنية كانت من صنيعة القذافي؛ لكي يتحكم في البلاد ويمسك بكل الخيوط في يده ويسيِّر الأمور بمجرد اتصال هاتفي منه، فيطيعه الجميع، ولذا فبغيابه لم تعد هناك تراتبية ومصدرا شرعيا واحدا تطيعه باقي المنظومة الحكومية لتحريك عجلة الدولة. وأشار بأنه في البداية كان يعتقد أن هـذه الفجوة التقنية هي سبب المشكلة، وبالتالي يمكن حلها عن طريق تعاقد مع شركات متخصصة تدرب الليبيين، ولكنه أدرك لاحقًا بأن سبب المشكلة هو "سياسي" بحت، ويتمحور حول عدم قدرة الليبين على "الاتفاق" مع بعضهم واتخاذ القرارات.
وقال: "لاحظت أن الليبين لا يقولون "لا" لبعضهم البعض فحسب، بل إنهم "يبتهجون بذلك! وبدأت أستمع لصوت القذافي في رؤوسهم". وتمثل ذلك في فكرة "السلطة بيد الشعب" فكل شخص "يملك السلطة" واحتكار اتخاذ القرار، ولذا فلم تكن هناك قدرة على اتخاذ القرارات ومن ثم فرضها، ولذا فقد يجلس أربعة أشخاص في الغرفة وتخرج بسبع أو تسعة آراء. انتقــد واينر بشدة آداء "زيدان" و"الثني"، وأشار بأن الثني كان أسوأهما، فكان يتهرب من المسؤولية، ولم يكن ذا مصداقية، كما حاول في واشنطن تسويق ليبيـا كفرصة استثمارية ولكن أداؤه لم يكن مقنعًا ونظر إليه الجميع بعين الشك.
قال واينر أن أوباما اقترح على زيدان تدريب 6000 ليبي لتكوين قوة أمنية للمساعدة في حفظ الأمن، إلا أن زيدان ـ والثني لاحقا ـ صارا يتهربان من الاتفاق (رغم قبول زيدان مبدئيًا) وقال: "إن كيري كان يتعقبهما للتوقيع على الاتفاق لتكوين تلك القوة ولكن دون جدوى". وكرر بأن ذلك كان مثالًا على القدرة الطاردة وليست القدرة الاستيعابية التي تسود البلاد.
تطور المشهـــد الأمني والسياسي والاقتصادي:
قال واينر "الليبين انقسموا إلى قسمين: الشرق يصف الغرب بأنهم جميعًا "إسلاميين" ويستحقون السجن أو النفي أو القتل، في حين أن الغرب يصف الشرق بأنهم جميعًا أتباع القذافي ويعملون على صنع دكتاتور جديد، ورأي بأن كلا التوصيفين غير دقيق". وفي نهاية صيف 2014 أصر وزير الخارجية كيري على توحيد الليبين تحت حكومة واحدة ليتعامل معها العالم عن طريق الحوار السياسي مستخدمًا ثلاثة مباديء أساسية اقترحها الدبلوماسي السابق جوني كارسن وهي:
1– وحدة المسار الحواري تحت رعاية الأمم المتحدة.
2– الضغط على كفلاء الصراع (الدول الإقليمية) بالضغط على وكلائهم المحليين في ليبيا للالتزام بالحوار.
3– تقسيم الفوائد على الجميع دون محاباة.
هناك أطراف حاولت استشارتنا حول خياراتها لتعيين رئيس الحكومة، ولكننا رفضنا التدخل وأصررنا على الالتزام بهـذه المباديء الثلاث، وترك التفاصيل للمتحاورين أنفسهم، والتي انتهت باتفاق الصخيرات في نهاية 2015. يرى واينر أن حكومة الوفاق تواجه مهمة صعبة، وأن البرلمان يماطل ويعطلها، وعلى الأرجح سوف ينتهي عمرها في يناير 2018، وبالتالي لن يكون هناك بدٌ من انتخابات جديدة.
يرى واينر أن الأزمة هي "أزمة شرعية"، فقد كان القذافي هو مصدر الشرعية يأمر فيطاع، أما بعده فإن تلك الشرعية تلاشت وصارت محل نزاع: حفتر يدعي أنه الوحيد الذي باستطاعته توحيد البلاد؛ في حين يرى عقيلة بأنه الشرعي الوحيد كونه منتخباً من الشعب؛ أما السراج فيدعي بأن له شرعية تنبثق من اعتراف دولي. وقال واينر"لماذا لا يجلس ثلاثتكم مع بعضكم وتصلون إلى حل من أجل مصلحة بلادكم، ولو بشكل مؤقت إلى أن يتكون دستور؟"
| كما أشار بأن السيطرة العسكرية على ليبيا من دول الجوار غير ممكن وهو بمثابة انتحار، كما رأى أن دول الجوار قد يكون لديها "تأثير" على وكلائها في ليبيا ولكنها لا تستطيع "التحكم" فيهم. |
قال واينر أن لديه مخاوف من أن البديل سيكون محاولة تكوين حكم عسكري على يد حفتر، والذي وصفه بأنه بدأ حربًا كقائد ميليشيا وبإرادته المنفردة، قبل حتى أن يعينه البرلمان. وحذر واينر حفتر من ذلك، وبأنه إن أراد حكم البلاد فعليه أن يخوض نزال الرئاسة بصورة مدنية كما حدث في دول أخرى. كما حذر حفتر من مغبة التقدم غربًا للسيطرة على باقي البلاد، وأشار بإن ذلك سيعزز من خطورة حرب أهلية واتحاد أطراف معتدلة مع أطراف متطرفة على غرار ما حدث في بنغازي وظهـور "خطاب تحريضي" لقتاله كما في حالة المفتي.
أما عن بنغازي، فأشار بأن الوضع معقد ومن الصعب معرفة حقيقة ما يجري هناك، فلو كانت هناك جماعات إرهابية، فالسؤال هو: ما هو حجمها؟ وهل هناك ضحايا كان يجب ألاَّ يُقتَلوا؟ وهل كان بالإمكان حل النزاع بشكل سياسي بدلًا من الحل العسكري؟ والذي يجب أن يكون استخدامه على أضيق نطاق لتجنب وقوع الضحايا. وأشار بأنه لم يكن بُدٌ لحكومة الوفاق من التحالف مع بعض الميليشيات في طرابلس لتكون الحرس الرئاسي، إذ لا يوجد خيار آخر، فلن يرضى الليبيون بتكوين الحرس الرئاسي من قوات أجنبية.
وأشار بأن داعش دخلت ليبيا وسط هـذه الفوضى وبالتالي صار لزامًا حرمانها من ملاذٍ آمن. وقال: "اجتمعت مع كل أعضاء المجلس الرئاسي التسع منفردين للسماح لنا بقصف مواقع داعش في ليبيا وقد وافقوا جميعًا". كما أشار بأن السيطرة العسكرية على ليبيا من دول الجوار غير ممكن وهو بمثابة انتحار، كما رأى أن دول الجوار قد يكون لديها "تأثير" على وكلائها في ليبيا ولكنها لا تستطيع "التحكم" فيهم، وبرر بأن "الليبيين لا يحبون مطلقًا أن يخبرهم أحد ماذا يجب عليهم أن يفعلوا… لا يتقبلون ذلك من الغير ولا يتقبلونه من بعضهم البعض!".
مبادئ السياسة الأمريكية في معالجة الأزمة الليبية:
1-دعم المؤسسات السيادية وخصوصًا (المصرف المركزي، مؤسسة النفط، وهيئة الاستثمار الخارجي).
2-تكوين جسم تشريعي واحد وجسم تنفيذي واحد (يعملان معًا).
3-تكوين جيش واحـد (تحت قيادة سياسية) ويمثل جميع أنحاء ليبيا.
وأشار بأن الحل يجب ألَّا يستثني أحدًا، بمن فيهم "حفتر" (بشرط أن يكون تحت قيادة سياسية). ولكن الليبيين لابد أن يتفقوا مع بعضهم للوصول إلى هـذه الحلول، كما يجب كبح جماح بعض الطامحين للسلطة لكي لاينتهوا بتدمير أنفسهم وتدمير البلاد معهم. وأخيرًا حذَّر إدارة ترمب من أن تغيير هـذا المسار سيحمل مخاطر مفاقمة الحرب الأهلية، ونمو التطرف، والهجرة إلى أوروبا، وإهدار مقدرات الليبيين، ووقوع كوارث إنسانية، وختم قائلاً: "الليبيون أناسٌ مرحون وذوو إرادة قوية ويستحقون حياة أفضل مما مـروا به".
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

