الشيخ الترابي حتى تكتمل الصورة

مضى عامٌ على رحيل الشيخ الترابي -رحمه الله- الذي يعدُّ واحدًا من أبرز السياسيين السودانيين فقد ملأ الدنيا وشغل الناس وظلَّ لنصف قرن في الواجهة، فإسهاماته السياسية في أحداث السودان المعاصرة كبيرة وهذه محاولةٌ لتقديم صورته بموضوعيَّةٍ.

كان ظهور الترابي الأوَّل بثورة أكتوبر 1964م التي أطاحت بحكم الفريق إبراهيم عبُّود، ولم يكن انتماؤه السياسيُّ حينها معروفًا، وقد شارك بندوة الثورة الشهيرة بجامعة الخرطوم وما تبعها من أحداث وقدَّم نفسه في ظهوره الأوَّل كداعية للديمقراطية وحقوق الإنسان، وقد اقترن ظهوره في الساحة السياسية بصعوده السريع ووصوله عقب أكتوبر لقيادة جماعة الإخوان المسلمين وقد طوَّر الجماعة إداريًّا وأسَّس واجهتها السياسية الأولى جبهة الميثاق الإسلامي، وقد اتَّصف بعدَّة صفاتٍ أهَّلته للقيادة، فالرَّجل حادُّ الذَّكاء قويُّ العزيمة دائب السعي لتحقيق أهدافه لا يعرفُ الكلل والملل، وهكذا فقد كانت فترة الديمقراطيَّة الثَّانية فرصةً مناسبةً للترابي، فقد أتاحت له الصُّعود السريع في عالم السياسة
ثم كان انقلاب مايو 1969م الذي بدأ شيوعيًّا حارب الإسلاميين أشدَّ المحاربة، وفي سنواته الأولى سجن الترابي سبع سنوات، وبعد صدام الإسلاميين مع مايو صالحوها وأتاحت مصالحة نظام مايو عام 1977م للإسلاميين التَّجهيز الحقيقي للوصول للسلطة.

وكانت مرحلة الصعود الثاني للترابي بعد صعود أكتوبر الأول، فقد صار مستشارًا للنميري ونائبًا عامًّا، كما كانت المرحلة التي أحكم فيها قبضته على الحركة، فبدأ بتنحية حرس الحركة القديم وتهميشه وتقديم شبابٍ يكون له الفضل عليهم فيدينون له بالولاء والطاعة، وتظلُّ نظرتهم له نظرة التلميذ إلى أستاذه والمريد لشيخه، ولعلَّ أبرز أولئك الشباب الذين قدَّمهم الترابي الأستاذ علي عثمان محمد طه.
 

كانت السلطة التي استعجل الشيخ الترابي الوصول إليها سببًا في إصابةِ مشروعيَّة الحركة ومصداقيَّتها في مقتل وبدء انتشار الفساد، وزادت المعارضة للترابي الرَّافضة لانفراده.

ثمَّ كانت ثورة أبريل الشعبيَّةُ في 1985م، وتمَّت الإطاحة بنميري وشاركت الحركة الإسلامية في حكومة الديمقراطية لكنَّها لجأت للانقلاب على الديمقراطية في 1989م، وذلك بعد مذكِّرةٍ قدَّمتها قيادة القوات المسلَّحةُ لإبعاد الإسلاميين. وبدأ عهد الإنقاذ، فكان ظهور الترابي الأكبر، وبرزت صفاته السلبيَّة التي أثَّرت على مجمل تجربته وعجَّلت بإخفاق مشروعه، وكانت سببًا مباشرًا لنكبة الحركة الإسلامية والإنقاذ والسودان.

ومن تلك الصفات الاعتداد الشديد بالنّفس والرَّأي، الذي يصل في كثيرٍ من الأحيان لدرجة الغرور، ومن صفاته السلبية كذلك العناد، وقد اشتكى عددٌ من شيوخ الحركة الإسلاميَّة من عناده بعد المفاصلة، والذي كان من أسباب فشل كلِّ محاولات الصُّلح والوصول إلى حلٍّ وسطٍ بينه وبين البشير، وهاتان الصِّفتان الكبر والعِناد من أبرز الصفات المؤهِّلة لتحويل صاحبهما إلى مستبدٍّ حتَّى وإن تزيَّا بزيِّ العلماء وتكلَّم بكلام المصلحين ورفع راية الشريعة ونادى بتحكيم المصحف. وقد أثَّرت شخصيَّة الترابي تأثيرًا كبيرًا في مسيرة الحركة ولعلَّ عزمه على إكمال مشروعه ورغبته في جني ثمرة ذلك المشروع من دوافع التعجُّل في الوصول للسلطة واللجوء إلى الانقلاب العسكري الذي يعدُّ أقصر الطرق الموصلة للسلطة في السودان ودول العالم الثالث.

والتُّرابي لا يرضى بغير الصَّدارة والملاحظ أنَّه ظلَّ طيلة مسيرته السياسية تقريبًا الرَّجل الأوَّل في كل التشكيلات السياسية الإسلامية التي شارك فيها، وظلَّ منذ منتصف الستينات وحتَّى وفاته في مارس 2016 م، في منصب الأمين العام ولم يتخلَّ عن ذلك المنصب مطلقًا، فهو المفكِّر والسياسي وهو إلى جانب ذلك الفقيه المجدِّد، وكأنَّ لسان حاله يقول: ونحنُ قومٌ لا توسُّط بيننا لنا الصَّدرُ دون العالمين أو القبرُ.

وقد وافق الانقلاب طبيعة الترابي وما اعتاد عليه منذ عقود، فالانقلاب يعني الشموليَّة وحصر القيادة بيد رجلٍ واحد وكان ذلك الرجل الترابي الذي كانت القيادة بيده أصلاً، ولعلَّ الجديد بعد الانقلاب توسُّع سلطان الترابي، فقد صار ملكًا غير متوَّج يحكم السودان من بيته في المنشيَّة، وصار السيِّد الثالث في السودان بعد السيِّدين المهدي والميرغني، لكنَّ ما ميَّز السيِّد حسن أنَّه نال السِّيادة بعرقه بينما ورثها المهدي والميرغني، وكأنِّي به يقولُ لهُما: ليس الفتى من قال كان أبي، إنَّ الفتى من يقول ها أنا ذا.
 
لقد كان وصول الحركة الإسلامية إلى السلطة عبر انقلاب عسكري من أكبر أخطاء الترابي الاستراتيجية، فقد صارت الحركة شبيهة بالتنظيم العسكري، وقد مرَّت بعدَّة مراحل قبل تحوُّلها للشموليّة وقد تناول أحمد التجاني صالح في كتابه الحركة الإسلاميَّة السودانية رؤيةٌ نقديَّةٌ وتحليليَّة تلك المراحل التي كان آخرها حل مجلس الشورى ووصفها التجاني بــ الطامة الكبرى كما وصف ما فعله الترابي بأنَّه كان إيذانًا ببداية عرض مسرحية الرجل الواحد.

إنَّ المفكِّرين والقادة السياسيين مهما أُوتوا من ملكات فإنَّهم لا يملكون تفويضًا بالتصرُّف نيابةً عن الأمَّة، وأنَّه قد آن الأوان لردِّ الأمر للشعب، وأنَّ الشعارات البرَّاقة لن تنطلي على الشعوب فقد وعت الدرس.

إنَّ ما أورده التجاني يدحض ما ذهب إليه الشيخ الترابي في شهادته على العصر ومحاولته تبرئة نفسه من المسؤولية عن عشريَّة الإنقاذ الأولى، فقد كان المنفرد بالقرار ولم تكن شهادة التجاني الوحيدة التي أكَّدت ذلك، فقد شاركه فيما ذهب إليه كثيرون من قيادات الحركة ومنهم مولانا عثمان خالد مضوِّي من رموز الحركة التاريخية، فقد ذكر في حوارٍ أجرته معه صحيفة الصيحة السودانية نُشِر في 20/2/2017، أنَّ التُّرابي حلَّ مجلس الشورى لأنَّه أراد الانفراد بالحكم.  

وهكذا فقد كانت السلطة التي استعجل الشيخ الترابي الوصول إليها سببًا في إصابةِ مشروعيَّة الحركة ومصداقيَّتها في مقتل وبدء انتشار الفساد، وزادت المعارضة للترابي الرَّافضة لانفراده، وكانت مذكِّرة العشرة وتمَّت الإطاحة بالشيخ في عام 1999م، وبدأ فصلٌ جديد من فصول الإنقاذ تحوَّل فيه الشيخ من عرَّاب الإنقاذ ومنظِّرها إلى أكبر أعدائها، ودخل في صراعٍ مع الإنقاذ التي أتى بها، وساهم مساهمةً كبيرةً في حريق دارفور. ووقع في تناقضات عجيبة فحالف عتاة العلمانيين وتورَّط في مواقف لا تليق برجلٍ قاد حركة إسلاميَّةً لعقودٍ من الزَّمان فأساء لنفسه وخصم كثيرًا من رصيده.

ثمَّ عمد الشيخ بعد أمدٍ طويلٍ إلى تغيير سياسته وذلك في أعقاب الربيع العربي، ولعلَّ دافعه لذلك ما رآه من نجاح الثورة المضادَّة في الانقلاب على حكم الإخوان المسلمين في مصر في 3 يوليو 2013م، وتأييد أغلب حلفاء الترابي المعارضين للإنقاذ لذلك الانقلاب نكايةً في الإسلاميين، فَطَرَحَ الشيخُ مشروعه الأخير الذي سمَّاه بالنظام الخالف، وشارك في الحوار الوطني الذي طرحه الرئيس السوداني البشير في مطلع العام 2014، فيما عُرف بحوار الوثبة، ومات الشيخ -رحمه الله- قبل اكتمال مشروع الحوار، وما زال حزبه المؤتمر الشعبي مشاركًا في المشروع الذي لا يعلم أحدٌ حتَّى الآن ما سينتهي إليه.

ختامًا أترحَّم على الشيخ الترابي وأسأل الله تعالى أن تكون مسيرتُهُ بما فيها من إنجازاتٍ وإخفاقات عِبرةً وعظةً للسودانيين باختلاف مشاربهم، بل ولكلِّ المسلمين، وليعلموا أنَّ بديل الشورى والحريَّات ودولة المؤسسات الصّراع الذي لن ينتهي لمصلحة طرف، وأنَّ المفكِّرين والقادة السياسيين مهما أُوتوا من ملكات فإنَّهم لا يملكون تفويضًا بالتصرُّف نيابةً عن الأمَّة، وأنَّه قد آن الأوان لردِّ الأمر للشعب، وأنَّ الشعارات البرَّاقة لن تنطلي على الشعوب فقد وعت الدرس.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة