وَقُيودُ هَذا العالَمِ الأَوهامُ

blogs - books

وَهمٌ يُقَيِّدُ بَعضُهُم بَعضاً بِهِ ** وَقُيودُ هَذا العالَمِ الأَوهام
هكذا أنشد أمير شعراء العصر الحديث أحمد شوقي بك وهو يرثي سقوط مقدونيا في يد الصليبين وخروجها من سلطان دولة الخلافة العثمانية، ولا أدري ما يكون قوله لو رأى سقوط الخلافة كلها لا سقوط بلدة كانت تابعة لها!

من أخطر ما قد يصيب الناس من الأدواءِ داء العقول، ومن أدواء العقول داء الضلال الذي يجعل الإنسان يرى الأشياء على غير ما هي عليه وهو ما يسميه أهل المنطق بالجهل المركب، وهو أسوأ من الجهل البسيط كثيرا، إذ الجهل البسيط معناه عدم المعرفة بأمر ما، ويكون عند صاحبه إدراك بأنه لا يملك العلم الكافي في هذا الأمر أو لا يعلم عنه شيئا من الأساس، أما الجهل المركب فصاحبه قد يعتقد أنه أعلم أهل الدنيا بهذا الأمر، ويكون مطمئنا تام الاطمئنان إلى معلوماته ومعرفته لا يتطرق إليه بشأنها شيء من الشك ولو قليلا، وهذا الذي يعتقد أنه على علم بكل شيء أنى لك أن تستطيع محاورته أو مناقشته أو بيان عدم إصابته شيئا من الحق ولو كان نذرا يسيرا ؟! (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا)[1]؟

أن تحاول مناقشة الأحمق الذي لا يعلم شيئا ويظن أنه يعلم كل شيء فإن هذا لمن أشق الأمور وأصعبها، وهي مهمة يعجز عنها حتى الأنبياء أولوا العزم من الرسل، ذلك أن أول تصحيح المعلومة الخاطئة هو وجود قدر من النظر فيها باعتبارها قد تحتمل الخطأ، ومن أجل ما قيل في ذلك قوم الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: "رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب" وهي عبارة على وجازتها هي من أصدق العبارات التي قيلت في ما يعرف بالشك المنهجي أو اختبار صحة الفروض وعدم التسليم بصحتها قبل البحث أو غير ذلك من العبارات التي يتحدث عنها أهل مناهج البحث من الغربيين أو ذيولهم من المتغربين أبناء جلدتنا المتحدثين بألسنتنا!

حاول الأنبياء مناقشة أقوامهم وبيان ما هم فيه من الضلال.. فما كان من هؤلاء الأقوام إلا أن رموا الأنبياء بدائهم وانسلو فقالوا: هو مجنون، ساحر، مسرف، كذاب، أتانا بإفك قديم، وما كلامه هذا إلا أساطير الأولين.

إن العالم يشك والجاهل يجزم، وكلما زاد وعي الإنسان وعلمه أدرك صدق العبارة القرآنية الجليلة: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا)[2] فتراه يتواضع ويتمثل قول القائل:

فقل لمن يدّعي بالعلم فلسفةً … حفظت شيئا وغابت عنك أشياءُ [3]

وقد جاء هذا المعنى الشريف في ما نُسب إلى الإمام الشافعي رضي الله عنه حين قال:

كلّما أدبني الدهر أراني نقص عقلي … وإذا ما ازددتُ علما زادني علمًا بجهلي

هذا شأن العلماء والعقلاء، أما أهل الحماقة فإنهم يعتقدون في أنفسهم النبوغ والتفوق والعبقرية وليس لهم من ذلك حظ إلا الوهم الذي أعماهم عن إدراك الواضحات وأوضحها حمقهم وقلة عقولهم، فالنقاش مع هؤلاء مجهد للنفس والعقل ولا يُتوقع أن يوصل إلى شيء ذلك أنه:
لكل داء دواء يُستطبُّ به … إلا الحَماقةَ أعيت من يداويها
 

إن كان للمصلحين من دور في هذا الزمان فهو عدم الاستسلام للطغيان المعرفي الذي يشكله الرويبضة، بأن يدركوا هم أولا أنه تافه، وأن يواجهوه بحقيقة أنه تافه.

ومن هنا حاول الأنبياء مناقشة أقوامهم وبيان ما هم فيه من الضلال والغواية والخطأ فما كان من هؤلاء الأقوام إلا أن رموا الأنبياء بدائهم وانسلوا[5] فقالوا:  هو مجنون، ساحر، مسرف، كذاب، أتانا بإفك قديم، وما كلامه هذا إلا أساطير الأولين، إنه لمن الضالين
 
ويعْذلونكَ في ربٍّ تُحاولهُ … إن الضّلالة تدعو نفسها رَشَدا

والكُفْرُ أشجعُ ما تأتيهِ من عملٍ … إذا رأيت ديانَاتِ الورى فَنَدَا

ورُبَّ كُفْرٍ دَعَا قَومَاً إلى رَشَدٍ … ورُبَّ إيمانِ قَومٍ للضّلال حدا [6]

هذا الأحمق المصاب بالجهل المركب لا تستطيع له مناقشة أو لرأيه تغييرا، يظن نفسه أعلم الناس وأعقل الناس، وأفصح الناس، وقد تظنه الناس كذلك اتباعا له في حمقه {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}[7] وفي مثل هذه الأحوال لا تملك إلا أن نواصل سيرنا على درب الأنبياء محذرين الناس من اتباع أهل الحمق الضالين المضلين، ولن يتشكك الناس فيما هم عليه من الجهل المطبق إلا ببصيص من نور العلم المبدد لأوهام الجهل بسيطا ومركبا، فإذا وجد الناس من العلم طرفا يفيقهم من سكرة الجهل فربما أدركوا من يستحق الاتباع من المتحدثين ومن يستحق التجاهل والازدراء فتتبين أقدار الرجال الكبار بين حكيم وسفيه فتصحو أمتنا من غشاوة السنوات الخداعات التي تحدي عنها سيدنا المصطفى رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إذ يقول: (سيأتي على الناس زمان سنوات خداعات: يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل يا رسول الله وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه ينطق في أمر العامة)[8]

وإن كان للمصلحين من دور في هذا الزمان فهو عدم الاستسلام للطغيان المعرفي الذي يشكله الرويبضة، بأن يدركوا هم أولا أنه تافه، وأن يواجهوه بحقيقة أنه تافه، وأن يقولوا للناس إنه تافه فلا تسمعوا منه حديثه في شأن العامة، وهي مهمة شاقة جدا، أولها العلم والحق والإيمان ثم العمل والتوعية والصبر، لعل الأمة تفيق فتعرف عدوها من حبيبها، وسفيهها من حكيمها، وأحمقها من عاقلها، والله المستعان على كل رويبضة يتزيا بزي أهل العقل والحكمة وبعد النظر فإن عدم إدراك حقيقتهم يضع الأمة في ورطة يصعب الخروج منها، وإنه لـفظيع جهل ما يجري!

________________________________________________________________________ 

[1] – سورة الفرقان : 43.

[2]  سورة الإسراء آية 85.

[3] – من قصيدة لأبي نواس (ت: 199هـ813م)  يقول في مطلعها: دَعْ عَنْكَ لَوْمي فإنّ اللّوْمَ إغْرَاءُ ** ودَاوني بالّتي كانَتْ هيَ الدّاءُ

[4] – يُنسب هذا البيت لكثيرين ولا نعرف بيقين قائله والله أعلم.

[5] – تقول العرب: "رمتني بدائها وانسلت" أي: وصفني بما هو حقيق به من الصفات ليخرج نفسه بريئا من هذه الصفة وهو حقيق بها، وهذا ما يسميه أهل علم النفس الغربيين بالإسقاط (Projection) وهو حيلة نفسية دفاعية مشهورة، وللمثل العربي قصة هي أن أن سعد بن زيد مناة بن تميم كان تزوج رهم بنت الخزرج بن تيم الله بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة، وكانت من أجمل الناس، فولدت له مالك ابن سعد وعوفاً، وكان ضرائرها إذا ساببنها يقلن: يا عفلاء، والعفل : شيء مدور يخرج بالفرج ، ولا يكون في الأبكار ولا يصيب المرأة إلا بعد أن تلد، فقالت لها أمها: ساببنك فابدئيهن بعفال .فسابتها بعد ذلك امرأة من ضرائرها، فقالت رهم : يا عفلاء، فقالت ضرتها: رمتني بدائها وانسلت. فأرسلتها مثلاً. 

[6] – الأبيات من قصيدة البردة للشاعر العربي المسلم المعاصر تميم بن مريد البرغوثي.

[7] – سورة الزخرف : 54.

[8] – رواه ابن ماجة وأحمد وصححه الحاكم في المستدرك من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

شاركنا بناء موقع الجزيرة الجديد!

إعلان