على قيد الشعور

مدونات، الحياه

حكاية كل يوم، تبدأ من محاولة النهوض من الفراش، وجرّ الخطى نحو مرآتك، تتحسّس بأطراف الأنامل اتساع بقعة الباندا حول أجفانك، ما علينا، فالوقت يداهمنا، وسيحلّ بنا سخط المدير إن تأخرنا، نتجهّز سراعاً، لنخوض غمار الأزمة الصباحية المعهودة، نرمق الدقائق بعينٍ وجلة آملين ألا تقترب من دقّة رأس الساعة قبل أن ندلي بتوقيع الحضور، فلنجمّد المشهد هنا لبرهة، فكلّ شيءٍ على ما يرام، نحتفظ في أجندتنا اليومية بمهام العمل، وبانتظارنا المكتب تعتيله الملفات المتراكمة، وشاشة الحاسوب الذي ملّت من وجوهنا العابسة، لا ينقصنا أيّ شيء، إلا بعضاً من الشغف وقليلاً من الدافعية وحفنة من الإرادة وشيئاً من الحافز الداخلي، هذا كل ما في الأمر. 

لكم يسير عالمنا الواسع ممتدّ الأطراف بوتيرة سريعة، وعلى عجلةٍ من أمره يلهث كلُّ منا خلف ما يَحدث به من تغيير، علّنا نجاريه، ونحوزَ في جعبتنا على الحدّ الأدنى من المؤهلات المكتسبة التي تحقق لنا الآمان الوظيفي وتداري لقمة عيشنا، وما يزيد الأمر ضراوةً أن أكثر من يقطن على هذا الكوكب أصبح يعاني من أيادٍ مغلولة إلى الأعناق، لا أقصد بقولي إمساكها عن العطاء الماديّ، بل القحط التحفيزي والاضمحلال العاطفي والتوجّس من المشاركة المعرفية، وما ينتابها من ضيرٍ عند نجاح أحد وصعود نجمه.

قد يتجرّد تحليلي من المنطق قليلاً، لكن هل للأمر علاقة بتحدي السّرعة في عالمٍ غدى المتغيّرُ فيه ثابتاً؟ أم أنه شظف العيش وغلاء المعيشة وانتشار الفساد وكثرة الديون الذي جعلت الطبقة الكادحة بالكاد تتحصل على ما يقيم صلبها؟

على هذا الكوكب صرنا نسير كآلاتٍ تكسو الصفرة ملامحها، مسلوبة الحيوية، تنفض يديها كل صباح يائسة من صحوة الفكرة واستيقاظ العزيمة واستنهاض الهمة بمنبهات طبيعية على هيئة ابتسامة ودودة، وكلمة طيبة، وعبارة تعزيز، وعرفان بالجميل، وتواصل إيجابي فعّال، لتستعين على استفاقتها بعدد من فناجين القهوة أو كوبٍ من الشاي أو عبوة مشروب للطاقة، حتى تتمكن من القيام بواجباتها على مضض، أتسأل كثيراً، إن كان هذا حالنا اليوم، فكيف سيكون جيل المستقبل الذي ستحلّ فيه الآلة مكان الإنسان في شتى المجالات؟ 

لم أقصد أن أتناول في حديثي طابع الجمود الذي يغلّف حياتنا المهنية، وأثر ذلك على التفكير الإبداعي والأداء الابتكاري، الذي يقلّ بطبيعة الحال بسبب غياب التحفيز، بقدر تسرّب هذا الجفاف وتمكّنه من علاقاتنا الشخصية وروابطنا الاجتماعية، فقلّ من يعبّر بحب، ويطلق العنان لكلماته الرقيقة، وكثُر الحرص على ضبط المشاعر ومنع تماديها، وصرنا لا نبوح بها إلا على حذر، لماذا؟ 

قد يتجرّد تحليلي من المنطق قليلاً، لكن هل للأمر علاقة بتحدي السّرعة في عالمٍ غدى المتغيّرُ فيه ثابتاً؟ أم أنه شظف العيش وغلاء المعيشة وانتشار الفساد وكثرة الديون الذي جعلت الطبقة الكادحة بالكاد تتحصل على ما يقيم صلبها؟ أم كثرة ما نُسِج من أحداثٍ بخيوط الدم والألم، أم لعلها مشاعرنا بدأت تُستنزف مع الرصاصات التي اخترقت جسد الدرّة في بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وسماع دويّ أوّل انفجار في بغداد عام 2003، لتتفجّر أرقام لا يصدقها عقل من الانتهاكات البشرية والانسياب الحقوقي وصلت إلى حرمان 80 بالمئة من الشعب العراقي من حقوقه الأساسية وسقوط أكثر من 400 ألف قتيل حتى عامنا هذا، وفقاً لتقديرات مركز استطلاعات الرأي الإنجليزي (ORB)، وتعرّض 7.3 مليون طفل سوري للنزوح والقتل والتعذيب وفقاً لتقرير محكمة الجنايات الدولية، هل جعلت هذه العوامل مشاعرنا تذوي وتذوب وتضمحلّ؟ 

ربما، لكن برغم كل ما في العالم من قسوة وألم يفوق قدرتنا على الاحتمال، لابدّ أن نبقى على قيد الشعور، وألا نتحوّل إلى آلاتٍ تمشي على الأرض، ونُربّت بأكفّ المواساة على ما تبقى من بشريّتنا، ونتحسس بين الفينة والأخرى نبض إنسانيتنا، وأن نُبقي جَذْوَة الحزن مشتعلة لما يحدث من حولنا حتى ينجلي ما في عالمنا من غمّة، وأن نطلق العنان من جديد لإحساسنا بما في الحياة من جمال، والتعبير عما بداخلنا بحب وودّ وصدق، وألا تنساب من بين أيدينا المزيد من العلاقات بسبب جمودنا، وأن نتقبّل اختلافاتنا ونرحم زلاتنا ونحسن ظنوننا ونتقن أعمالنا، وأن نتوقف عن تفسير كل ما حولنا بالمنطق، ونتحول إلى البحث عن حقيقة شعورنا بكل شيء وفي كل شيء.