جزائر مابعد بوتفليقة إلى أين؟

مدونات الرئيس الجزائري
إن سيطرة فكرة الزعامة على النظام الجزائري منذ الاستقلال واحتلال الرئيس المركز الممتاز وانفراده بالسلطة نتج عنه ظهور نظام شمولي برغم تغني كل الرؤساء الذين مروا على الجزائر ببناء دولة تستمد قوتها من مؤسساتها الدستورية شعارها دولة لا تزول بزوال الرجال والذي طالما ردده بومدين رحمه الله وعزف على أوتاره من قبله وبعده كل الرؤساء الذين تعاقبوا على الجزائر وصولا الى الرئيس بوتفليقة.

ولكن هذه الشعارات بقيت ولا تزال حبيسة جدران قاعات الخطابات الشمولية ولم تعدو أن تكون أكثر من مجرد كلام للاستهلاك و للتصفيق لا غير، وبالرغم من انتقال الجزائر الى التعددية الحزبية بعد أحداث أكتوبر 1988 إلا أن هيمنة الرئيس بذاته أو باسمه ظلت سائدة ومتحكمة في مفاصل السلطة ولو على حساب الشرعية الدستورية في ظل هذه التعددية الواحدية كما أطلق عليها أحد الحقوقيين.


عندما جاء الرئيس بوتفليقة الى الحكم بدأ يخطط من جديد ليعيد المكانة الممتازة لمنصب الرئيس التي غُيبت في ظل العشرية السوداء واستئثار الجنرالات بها فقد صرح في سنة 2000 نقلا عن جريدة الشعب الجزائرية أنه لا يمثل حُكما جماعيا وليس هناك مشاورة ولا غير ذلك وأنه يؤمن بالحكم الرئاسي وأن الدستور لا هو برلماني ولا رئاسي وهو من يحدد الجانب الرئاسي منه ويتصرف فيه.


هل جزائر ما بعد بوتفليقة ستدرك يوما أننا بحاجة إلى دولة مؤسسات لا دولة رئيس تُختزل فيه كل السلطات إن غاب غابت وانتقلت إلى حاشية لا نعلم من هم ولا كيف نحاسبهم في ظل الغياب الكلي للمؤسسات الدستورية والقانونية؟!.

لقد كانت هذه التصريحات إشهارا لسيف الحجاج في وجه كل من يريد أن يشاركه السلطة ولقد نجح في ذلك الى حد بعيد لما عرف عنه من حنكة سياسية في إبعاد كل خصومه ومناوئيه سواء على مستوى المؤسسة العسكرية أو التشريعية أو التنفيذية أو حتى المعارضة التي استطاع أن يخترقها وأن يشكل عجينتها كما يريد ومتى يريد و لكن بعد مرضه بات جليا للخاص والعام أنه خلف من وراءه دولة يحكمها أشخاص باسمه.


إن أكبر مشكل وأكبر تحدي تشهده الجزائر وسيتفاقم أكثر بعد بوتفليقة هو الغياب الكلي لدولة المؤسسات فالكل يختبئ وراء شخص الرئيس حتى الحزب الممثل للسلطة والحائز على حصة الأسد سواء على مستوى السلطة التشريعية أو التنفيذية يعزو كل قراراته المتخذة الى موافقة رئيس الحزب الشرفي ومباركته السيد بوتفليقة.. فهل نستطيع أن نقول إننا وبعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال لم نستطع أن نبني دولة قانون تستمد قوتها ووجودها من قوة مؤسساتها التشريعية والتنفيذية والقضائية لا من قوة رجالها.


الرجل قد يضعف قد يمرض قد يموت قد يُنقلب عليه لكن المؤسسات التي بنيت على أسس وهياكل دفتر شروطها مستمد من دستور شرعي أقره الشعب بكل شفافية ومصداقية لا تموت ولا تضعف قد يصيبها فيروس مايفتأ أن يعاقب و يقضى عليه لأنها ببساطة تملك نظام حماية قوي ضد كل ما هو ذاتي وخارج عن القانون عنوانه النظام القانوني للحماية ضد الفيروسات البشرية الخارجة عن دولة القانون.


كان أمل الجزائريين كبيرا في أن تكون الانتخابات التشريعية القادمة فرصة وخطوة أولى في درب بناء دولة المؤسسات لكن للأسف الشديد وحسب أصداء القوائم التي أعلنتها أحزاب السلطة وحتى الاحزاب التي تدعي أنها معارضة أغلبها تجسيد للرداءة وتغليب للمال والعروشية و الجهوية على حساب المؤهلات، إضافة إلى عزوف المثقفين والكوادر الحقيقية عن خوض السباق لإيمانهم بعدم مصداقيتها سلفا. 


وكم غلب على الضحك أكثر من البكاء من تصريحات جمال ولد عباس، رئيس حزب جبهة التحرير الوطني حزب السلطة الأول، عندما صرح أن 70 بالمئة من منتخبيه جامعيين، وحتى وإن صدق ألقلة الجامعيين والكوادر؟ حتى نستعين ب 30 بالمئة لا يملكون مستوى جامعي يؤهلهم. وكم ضحكت أكثر من تصريح السيد مقري، رئيس حزب حمس أحد الأحزاب المعارضة، والتي كانت إلى وقت قريب تحت مظلة السلطة، وهو يعاتب أحزاب السلطة وينتقدهم، وأنا أقرأ من جهة أخرى حوارا مع إحدى المترشحات في قائمته بإحدى الولايات، كانت قبل أيام منضوية تحت حزب التجمع الديمقراطي، حزب السلطة الثاني، فعندما لم تجد لها مكانا وأقصوها استعان بها هذا الحزب الذي يتغنى بالمعارضة، وهو الذي لم يجد من يرشحه من داخل حزبه إلا من لم يجد له مكانا في حزبه الأصلي.


شاكلة هاتين القصتين التي يختلط فيهما إحساس البكاء مع الضحك هي ما تطبع كل الأحزاب الجزائرية، التي تعتبر المؤشر الحقيقي الذي قد يدلنا على المستقبل السياسي لكل دولة إيجابا أو سلبا.. 
فكيف لنا أن نستبشر خيرا بهكذا أحزاب لم تستطع أن تهيكل نفسها، أن تحكم وتهيكل دولة تغيب فيها كل المؤسسات إلا مؤسسة واحدة هي حكم الأفراد؟.


فهل جزائر ما بعد بوتفليقة ستدرك يوما أننا بحاجة إلى دولة مؤسسات لا دولة رئيس تُختزل فيه كل السلطات إن غاب غابت وانتقلت إلى حاشية لا نعلم من هم ولا كيف نحاسبهم في ظل الغياب الكلي للمؤسسات الدستورية والقانونية؟!.