شعار قسم مدونات

آسفين يا سنغافورة

blogs - سنغافورة
لطالما تغنى الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر بمشروعه الإصلاحي من "الإبرة إلى الصاروخ" لتحويل بلاده من دولة قائمة على الزراعة إلى قوة اقتصادية عمادها الصناعة، ولطالما تغنت الدولة بسيل من اللافتات القومية والشعارات الأخّاذة لنفوس الناس وخطابات قائدها الذي برع في الكلام وأخذ من ألسنة جماهيره مقياسا لشعبيته ونجاحاته. لكن الخبر شيء يحتمل الصدق والكذب دائما؛ فلم تشفع الدعاية المُمنهجة من تحقيق متطلبات الحياة اليومية للمواطن المصري، ولا من ضمان تطلعات الشباب في مستقبل واعد وزاهر.

والآن بعد مرور أكثر من نصف قرن على تجربة مصر الفاشلة للنهوض بأمتها ها هي تنحني محطمة الآمال تستيقظ على عصف رياح الحكم المستبد الجائر لحقوق ومنافع الشعب حائرة على مصالحها ونادمة على أخطاء ساستها وزَيْفِ وعودهم..

في الجهة الأخرى من العالم وعلى ضفاف مضيق ملقا جزيرة صغيرة لا ترى على الخريطة الجغرافية ولا يسمع عنها في الساحة الدولية طابع الكآبة والحزن، يخيم على أنظار مواطنيها، مزقها اختلاف أديان وطوائف ساكنيها، فقر مواردها، صغر مساحتها، فساد نخبتها واستقلالها المرير.. كل هذه العوامل كانت تؤرق رئيس الوزراء السابق لسنغافورة لي كوان يو الذي دفعته مرارة الانفصال من ماليزيا إلى البكاء أمام عدسات الكاميرا، ربما لشعوره بالضياع أو أنه لا يملك أي شيء لتحسين ظروف العيش القاسية لمواطنيه.

أدى ذلك إلى طلبه مساعدات مالية عاجلة من دول ذات وزن دولي، وكذلك إلى مثقفين يعملون لبناء هيكل متين للدولة لإعطاء نفس مشرق، وكانت مصر من بين تلك الدول التي خاطبها لي كوان يو خلال ستينيات القرن الماضي للخروج من أزمة بلاده المعتمدة بشكل كبير على مداخل القاعدة العسكرية البريطانية وإنتاج جوز الهند، لكن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر رفض الطلب لكون سنغافورة سوى جزيرة ضائعة في المحيط لا تملك أي شيء للبقاء.

ما ينقص العرب هو قادة يهبون إمكاناتهم وعطاياهم إلى الجيل الصاعد، يرعون الإنسان رعاية وضاءة، بالعناية والتثقيف والتوعية.

العديد من الأمم آمنت آنذاك أن سنغافورة شبه دولة فاشلة لا يجوز في كل من الأحوال إعطاؤها أهمية على مستوى العلاقات الخارجية، فكيف يُعقل لمجتمع صاحَبَ الجهل والفساد وعاش في دهاليز الفوضى الأخلاقية أن ينعم بالازدهار ويتربع على عرش الأفضل قد يكون حلما عسير الوجود؛ أسطورة أو هدفا بعيد المنال، لكن بالعزيمة والإصرار وحسن التسيير، تمكن السيد لي من جعل وطنه على قمة العالم بجدارة.

لم يسمح لنفسه بالانحياز لمنافعه الشخصية ولا لويلات التعصب القومي، بل ثابر مع رفاقه وبدأ سلسلة الإصلاحات من قطاع التعليم كأرضية للنهوض بعقول الناس وتنويرها بدل تحجيرها طور اقتصاد قائم على المعرفة والتجارة العالمية، فصل السلطات ونفذ القانون بصرامة على الكل، جعل من القضاء النزيه ركيزته للعدالة الاجتماعية، والأهم أنه وضع قطار التنمية على سكته الصحيحة بخطى ثابتة. الآن وحسب متوسط التطور، تحتاج مصر إلى عقود طويلة لتصبح مثل سنغافورة.

أحد أشهر أقوال باني سنغافورة الحديثة عن سر التفوق في التنمية الشاملة لبلده خلال لقاءاته مع الصحفيين الأجانب: "الدول تبدأ بالتعليم، وهذا ما بدأت فـيه عندما استلمت الحكم فـي دولة فقيرة جدا، اهتممت بالاقتصاد أكثر من السياسة، وبالتعليم أكثر من نظام الحكم، فبنيت المدارس، والجامعات، وأرسلت الشباب إلى الخارج للتعلم، ومن ثم الاستفادة من دراساتهم لتطوير الداخل السنغافوري". 

حقيقة قصة مصر وسنغافورة تشبهان إلى حد بعيد قصة الجبل والسهل، فالجبل كان دائم المفاخرة، كيف لا وهو يطل في كل صباح شامخا يلامس آفاق السماء، وقد كللت قمّته الثلوج البيضاء على عكس السهل القابع والملتصق بالقاع، لا تتوق نفسه للأعالي، ولكن ربما على الجبل التنازل وتأمل البساط الأخضر الجميل الذي يفتن الإنسان بجماله وألوانه وعطائه من نباتات وسنابل تحيي الرزق والحياة للناس، فالعظمة ليست بالضخامة والفخر والكبرياء، وإنما بالعمل الخالص والتضحية بضمير صادق من أجل غد أفضل.

ما ينقص العرب هو قادة يهبون إمكاناتهم وعطاياهم إلى الجيل الصاعد، يرعون الإنسان رعاية وضاءة، بالعناية والتثقيف والتوعية.. حتى يحدث كل ذلك، فإن مما لا شك فيه أنه ما دام الإنسان وسيلة لقضاء الحاجة فسنبقى أمة تقضي حاجة الآخرين، لقد صدق الأستاذ الشيخ حين قال للطالب الفتى في كتاب جنة الشوك: "إنما يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ولو آمنت قلوبهم بالإصلاح حقًّا لعملوا أكثر مما يقولون".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.