نصر زائف لأمة مهزومة

كنتُ أظن أنّه قد استوعب الجميع مَا يحدث وما قد كان وتكونت عندهم نظرة شبه صحيحة إلى ما سَيؤول إليه الأمر إن استمر الحال على ما هو عليه ما لم تَطْرأ عليه مُسْتَحدثات تغير مساره. ولكن خابَ ظنّي وقد غَدوتُ مُشفقاً كل الإشفاقِ حقيقةً على أصدقائنا و أحبابنا وأهلينا الذين اجتاحتهم أوهام الرّجس، تلك الأرجَاس التي ما تركت نفسًا زكيةً إلا عكرت صفوها بأدرانِ الشياطينِ..
 

إن في ألعابِ الكُرةِ تلك التي يَتشدقون بها ليلاً نهاراً، يحفظون أسماءَ الفرقِ، أسماءَ اللاعبينِ، أماكنهم، أهدافهم، تاريخهم و تاريخ ناديهم عن ظهر قلب. سفاهةٌ جليّة لا تخفى عن مَنْ يُدرك حال أُمته وينفطرُ فؤاده لأجلِها بينما الأخر يُهَيئ لك كأنه أُخرج من رَحِمِ أُمّهِ يَحفظ جميع هؤلاء.
 

بل إنّه انغمس كثيرون فيها، وتملكتهم ألعاب الكرة ممن يسمعوننا يومياً عن قضايا الوعي والحذر من السقوط! ما يزيد الأمر فظاظة تلك الوقاحات لمشجعي الفرق المتنافسة لا داعي لذكر تفصيلاتها، إلا أنه قد رأيتُ مِنْ أصدقائي مَنْ يتنازعون بالسبِّ على أي الفريقين أشد وأمهر كما لو أنهم يتقاتلون بالسيوف! ولو أنهم تنازعوا لِمَنْ هو الحق اليوم في أمتنا لكان أجدر بهم؛ فإن اليقين لا يأتي إلا لمن قال تعالى فيهم: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ".
 

إن في حياة الأمم أزمنة بيضاء نقية لا يكمن نقاؤها في رخائها.. بل في شِدّتِهَا!

أكاد لا أنفك تعجباً مِنْ ذلك الإيمان النابع من روحِ هؤلاءِ الشباب لِمَا هم فيه، أي عجيبٍ هذا الذي ينشأ في الوجدان لغير الله! ولو أنه في موضعه لهدّمت صوامع كثيرة وأقيمت حضارات ولكن من ذا الذي يفقه "المعادلة"؟ معادلة نتتبع بها آثار السابقين من أبناء ديننا، ونحدث بها جلجلة في صفوفِ أعدائنا إلى أن نستأصل شأفتهم.. ألا وهي "الحياة والموت" وسأجعل لها مقاماً في غير هذا المقال.
 

ولكن كل ما يستحوذ على تفكيري هو التجاهل القائم بين يومٍ مشئوم بسقوطِ إحدى قلاع المسلمين بل قل حين سقطت مروءة المسلمين إن كان لا يزال هناك مروءة! خارج أرض المحشر؛ وبين الإيمان.. في يوم مشئوم آخر كانت كل أنفاسه وكلماته أدعية لننتصر في نصر زائف لا نحيى به أو نموت لأجله.. بل إن بعضهم قد يموت لأجله ولا يَحدث انتكاس ولا هزيمة.
 

شعوري في اليومين الماضيين كان اضطراباً نفسياً يستدعي قتل كل من لا يستشعر مصيبة الأولى وقتل من حمل هم الفوز في الثانية! ما هذا الذي تحيون؟ أذكر يوم نكبتنا كان وقع الكلمة في داخلي لا يعينني على كتابتها؛ كيف لنا أن ننطقها أو نكتبها فقط دون أن نقوم لها! لكن لا جدوى من الندب.
 

سقطت حلب! في تلك الليلة البدرية ذات سكون المدينة القاهرية، الممتزجة بصخب القلعة الحلبية أذكر أني كنت أفتش في أعين المارة في الطرقات عن من يبادلني هذا الشعور العاجز؛ فلم أجد إلا شاهداً واحداً مَلأ الدُّجَى بأنواره، وقد شهد بأعين الأسى والحسرة جسارة جنود الحصن وجبن الأمة كلها.
 

ولكن غداً نعاود كرّتنا.. فإن عدتم عدنا. وليلة أخرى جالت فيها وصالت كلمات التملق والتمني وأذيعت الأغاني وعُلِّقت الزينة استعداداً لهزيمةٍ نكراءِ أبكت من لم يبكوا لأجل أهليهم بحلب الأبية ذات العزة.
 

لذلك إن لم تدرك الأمّة حقيقة المعركة القائمة ولم تصل إلى الهيئة التي تمكنها من خوضها فستظل أسيرة هذا الوهم النفسي الذي يقول أنكم منتصرون !فكيف النصر وإن لم نكن نحن في صيرورته؟ وقد شربنا كأس التوهم صغاراً حتى شببنا على صنعه وتعليمه.

وكما قيل: إن في حياة الأمم أزمنة بيضاء نقية لا يكمن نقاؤها في رخائها.. بل في شِدّتِهَا!



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة