شعار قسم مدونات

القدس وصدام الأديان

blogs - Palestine
عند الإبحار في عهود التاريخ البشري واستدراك أبرز المحطات الفاصلة والحاسمة في تلك العهود؛ نستغرب من حضارات عظمى نشأت وتوسعت وحكمت فظلمت أو عدلت وبعضها انهارت واندثرت؛ وأخرى بقيت تصارع من أجل البقاء، فلكل حضارةٍ انتماءاتها الفكرية والعقائدية الخاصة الربانية غير المحرفة أو الربانية التي تم تحريفها أو الوضعية البشرية المنشأ، من هنا نشأت كبرى صراعات العرق البشري والتي تمثلت في صدام الأديان.

فحب السيطرة والتملك صفة تولد مع الإنسان بالفطرة، وغريزة الصراع تدخل ضمن تركيباته الجينة منذ البدايات الأولى لخلق البشرية، ففي عهد أبناء ادم عليه السلام " قابيل وهابيل"؛ وقعت حادثة القتل المتعمد من " قابيل" لأخيه "هابيل"، وكانت تلك الحادثة بداية الصراع البشري الديني. فمتى حلَ السلام؟ وهل سيحلُ السلام في مهد الديانات السماوية "مدينة القدس"؟ 

بعد خمسة قرون من الحكم الإسلامي سقطت القدس في أيدي الصليبيين، ومن ثم عاد "صلاح الدين الأيوبي" ليحرر القدس من أيدي الصليبيين بقيادة ملك بريطانيا قلب الأسد "ريتشارد".

القدس كانت وما زالت سبب كبرى الحروب البشرية، وذلك من منطلقات عقائدية دينة روحية، واحتلت القدس المكانة الأولى في أيديولوجيا الشعوب المتجذرين في أصول الديانات السماوية الثلاث، فالمسلمين يرون فيها أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، واليهود ممثلين بإسرائيل يرون فيها عاصمتهم الدينية والوطنية والتاريخية وإنها مكان لهيكل سليمان؛ ويركز القوميون الإسرائيليون على أن جميع يهود العالم ينحدرون في أصولهم العرقية من القدس التاريخية، والمسيحيين ممثلين تحديداً بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا يرون بأن القدس المكان الأكثر ارتباطاً بالدين المسيحي، ففيها نشأ المسيح "عيسى" عليه السلام وفيها صلب ومنها سيخرج "المسيح" مرةً أخرى.

وهذا الاختلاف في الفكر العقائدي الأيديولوجي والنظر إلى القدس بأنها ذات جذور يهودية أو مسيحية أو إسلامية أدى إلى صراع الأفكار النظرية، والتي ترجمت إلى ما يسمى بصراع الأديان، فكل ديانة تدافع بكل قوتها عن أحقيتها في مدينة القدس، وهذا يظهره الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والدعم الغربي الموالي لإسرائيل بحكم تقارب الدين المسيحي واليهودي عقائديا. وعند العودة إلى التاريخ البشري نجد أن معظم الحضارات الإنسانية قد وجهت أنظارها إلى الأراضي المقدسة، وأعلنت الحروب عليها فحكمت القدس لأهميتها الروحية الدينية.

فالحضارة الفرعونية حكمت القدس ودخلت في حروب عقائدية مع قبائل "الخابيرو" البدوية، والحضارة البابلية التي سيطرت على القدس بعد هزيمة اليهود، ومن ثم جاءت الحضارة الفارسية التي هيمنت على القدس في عهد الملك "قورش"، وبعد ذلك جاءت الحضارة اليونانية بقيادة "الإسكندر المقدوني الأكبر" الذي هزم الفرس وسيطر على القدس، ثم جاءت الحضارة الرومانية التي دخلت في حروب طاحنة مع الفرس، وكانت نتائجا سيطرة الرومان على مدينة القدس؛ وشهد الحكم الروماني تمرد اليهود والعصيان المدني على الحكم الروماني المسيحي فكانت النتيجة حرق وتدمير لمدينة القدس مرتين على التوالي على أيدي الرومان، وبعد ذلك سيطر الفرس مرة أخرى على هذه المدينة المقدسة، ومن ثم استعادها الرومان مرة أخرى حتى جاء الفتح الإسلامي في عهد الخليفة "عمر بن الخطاب" وحرر القدس من الرومان التابعين للدين المسيحي.

وبعد خمسة قرون من الحكم الإسلامي سقطت القدس في أيدي الصليبيين، ومن ثم عاد "صلاح الدين الأيوبي" ليحرر القدس من أيدي الصليبيين بقيادة ملك بريطانيا قلب الأسد "ريتشارد"، وبعد وفاة "صلاح الدين الأيوبي" تمكن الصليبيون مرةً أخرى من السيطرة على القدس، ومن ثم استردها المسلمين بقيادة الملك "الصالح نجم الدين أيوب"، وبعد ذلك حاول المغول السيطرة على القدس إلا أنهم هزموا في معركة عين جالوت بقياد "الظاهر بيبرس" و "سيف الدين قطز"، ثم جاءت الخلافة العثمانية التي أولت القدس أهمية كبرى بفعل مكانتها الدينية، وعند انهيار الخلافة العثمانية سقطت القدس في أيدي الجيش البريطاني الذي أعاد أمجاد الحملات الصليبية الأولى والثانية في القدس، ومن ثم احتلت الحركة الصهيونية القدس وأكدت على أحقيتها الدينة والتاريخية والروحية في هذه المدينة المقدسة.

وهنا نؤكد نظرية صراع الأديان في القدس، فالقدس ستبقى محور الصراع العالمي الديني الديناميكي، ولهذا انطلقت الحملات الصليبية الغربية باتجاه القدس في بداية القرن العشرين على شكل الإرساليات التبشيرية المنظمة وفق الفكر الايديولوجي المسيحي، وذلك سيعاً منها للسيطرة والنفوذ الثقافي، بدأً ذلك مع عزل المسلمين عامةً والفلسطينيين خاصةً وتجريدهم من العقيدة الدينية الإسلامية ليكونوا مخلوقات لا صلة لهم ب"الله"، ومن ثم الاستعمار الجغرافي لقلب العالم القديم المتمثل في القدس.

ومما يؤكد هذه النظرية السياسة الخارجية الأمريكية لمجموعة "المحافظين الجدد" بقيادة "جورج بوش" الإبن؛ والتي تعود خلفيات هذه الجماعة إلى معتقدات الفكر اليهودي المسيحي المتشدد، وهذا ما أظهره "جورج بوش" الابن عند غزو أفغانستان والعراق معلناً للعالم أجمع بأن هذه الحرب التي تقودها بلاده هي حرب مسيحية إسلامية، وكان الهدف الأساسي من تلك الحرب تشتيت المسلمين وإضعافهم كتخطيط استراتيجي طويل المدى لكي تبقى القدس وحيدة منعزلة عن العالم الإسلامي من خلال إنهاء حركات التحرر الإسلامية الداعية لتحرير القدس.
 

من غير المنطق أن يتنازل الإنسان عن دينه المفطور عليه واعتناق دين اخر لمجرد عملية الحوار، ومن غير الطبيعي أن يدخل الإنسان في الازدواجية الدينية؛ أي بمعنى أن يجمع بين الديانة الإسلامية والديانة اليهودية.

وهذا ما أكدته السياسة التي يتبعها حزب "الليكود" اليميني الديني المتشدد بزعامة "بنيامين نتينياهو" والذي دعا مراراً وتكراراً إلى ما يسمى "بيهودية الدولة الإسرائيلية" من منطلقات الفكر العقائدي الديني اليهودي؛ هذه السياسة التي لا تؤمن بمفاهيم قبول دين الطرف الاّخر وهو الدين الإسلامي، وتمجيداً للعقيدة اليهودية بدأت إسرائيل منذ تأسيسها (1948م) على يد الحركة الصهيونية الدينية اليهودية بفكرة التوسع الاستيطاني وخصوصاً في المنطقة الجغرافية الأكثر ارتباطاً بعقيدتهم الدينية اليهودية والتي يطلقون عليها "يهودا والسامرة" وهي القدس والمناطق المحيطة بها.

وفي أعقاب محادثات كامب ديفيد الفاشلة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي عام (2000م)؛ اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية والتي أظهرت حقيقة الصراع الديني على مدينة الأديان السماوية القدس، ومنذ ذلك الوقت دخلت عملية السلام في مرحلة الغيبوبة، وخلال هذه المرحلة ضربت إسرائيل بعرض الحائط كل القرارات الدولية بوقف الاستيطان؛ إلى أن صدر قرار الكنيست الإسرائيلي بالسماح للجيش الإسرائيلي بمصادرة الأراضي الفلسطينية عند الضرورة وخصوصاً في مدينة القدس، وسبق ذلك قرار منع الاّذان في جميع مساجد مدينة القدس وخصوصا "المسجد الأقصى" وذلك تجسيداً منهم لثقافة الفكر الديني اليهودي المتمثل في أحقيتهم التاريخية في القدس ولتطهيرها من مظاهر الدين الإسلامي.

والبعض يرى في حوار الأديان حلاً لهذا الصراع، لكنَ الحوار الهادف والبناء يتمثل في إقناع طرف من الأطراف لأفكاره ومعتقداته الدينية وقبول الطرف الاّخر فيها، وهذا يمكن أن يحدث في كافة مجالات الحياة باستثناء المجال الديني، فمن غير المنطق أن يتنازل الإنسان عن دينه المفطور عليه واعتناق دين اخر لمجرد عملية الحوار، ومن غير الطبيعي أن يدخل الإنسان في الازدواجية الدينية؛ أي بمعنى أن يجمع بين الديانة الإسلامية والديانة اليهودية، أو أن يجمع بين الديانة الإسلامية والديانة المسيحية في نفس الوقت! لذلك مخطيء من يظن أن السلام سيتحقق يوماً من الأيام في مهد الديانات الثلاثة، وأن هذه المملكة الروحية السماوية ستبقى رحم الصراع العالمي الديني إلى أن يأتي يوم القيامة، فمعطيات التاريخ والحاضر الواقع يثبت صحة هذه النظرية.