شعار قسم مدونات

جيل "سبيستون".. متى أصبحنا أمهات؟

blogs - spacetoon
لازلتُ أتذكر سعادتي الكبيرة حين أسمع كلمة "عُدنا" وتصافح أُذُناي صوت "جودي أبوت" أو "ساندي بِل". لازلت أشعر بتلك الحُرقة في قلبي ودموعي التي أغرقت وجنتي حين أرى "سالي" تتعذب من الآنسة "منشن". نغم موسيقى الحديقة السرية، "بابار"، "ماوكلي"، "ريمي"، جميعهم لازالت كلماتهم عالقة في رأسي أدندنها بين الوقت والآخر. وكلما قسى بي الزمان أو استصعب عليَّ مفهومٌ ما أو قانونٌ ما؛ أعود إليهم لأتعلم الصواب من الخطأ.

واليوم، أجد نفسي قد أصبحتُ أُمَّاً مسؤولةً عن أسرة وعن طفلة، ومسؤولةً عن كل تصرفٍ وكلمة تصدر مني. لا أذكر متى حدث ذلك. ولكني في كل مرة أجد طفلتي مهتمة بمشاهدة مسلسل كرتوني ما على قناة "سبيستون" أجد نفسي جالسة بجانبها بل وأشاهد بحماسةٍ أشد من حماستها. وهذا الشيء يسعدني جداً فقد كنت أخاف دوماً من أن أفرض عباءة أفكاري ومعتقداتي على ابنتي خصوصاً في زمن التكنولوجيا المخيف ووسائل التواصل الاجتماعي وقنوات التلفزة، التي باتت تعرض أفكاراً بمجرد أن أفكر أنها سوف تمر على ابنتي يخيفني هذا الأمر جداً. في هذا العالم الذي يتم فيه تحديث تطبيق "الواتس أب" أو "الفيسبوك" كل أسبوع أو أسبوعين تقريباً؛ يخيفني جداً أن تتعرض ابنتي لهذا الكم الهائل والسريع من التكنولوجيا، أصبحتُ أخاف عليها من هذه السرعة في الحياة والتي تكاد تنافس سرعة الضوء.

لن تشعر طفلتي أبداً بتلك اللذة التي كنتُ أشعر بها حينما كنت أنتظر أغنيتي المفضلة على الراديو. ولن تشعر بذلك الشعور الذي يهاجمني حينما أستمع معها لشارة مسلسل كرتوني كنت أشاهده وأنا صغيرة.

لا أستطيع أن أنكر قلقي ومخاوفي، أنا تلك الفتاة التي تنتمي لجيل "سبيستون"، حين كانت قناة "سبيستون" عبارة عن بث تجريبي على قناة البحرين من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثامنة مساءً حسب ما أذكر، كانت الحياة بسيطة وكنت أضبط وقتي حسب موعد كل مسلسل أو برنامج كرتوني لأنتظره، وأذكر جيداً لحظة تذمري حينما يأتي موعد الإعلانات. وأذكر جيداً كيف كانت تحرص أمي على الانتهاء من دراستي وتنظيم وقتي ما بين هذا وذاك. الآن بات مخيفاً بالنسبة لي بأن ابنتي تستطيع الوصول لأي شيء في أي وقت وفي أي مكان، وبات مفزعاً لي بأنها من الممكن أن تقضي يوماً كاملا وهي تشاهد مسلسلاً ما على "اليوتيوب" لأنها قررت أن تنهيه في ذات اليوم.

الأسوأ من ذلك كله، أنها لن تشعر أبداً بتلك اللذة التي كنتُ أشعر بها حينما كنت أنتظر أغنيتي المفضلة على الراديو. ولن تشعر بذلك الشعور الذي يهاجمني حينما أستمع معها لشارة مسلسل كرتوني كنت أشاهده وأنا صغيرة. وما يدور في ذهني الآن، هل سنجتمع أنا وهي وإخوتها وزوجي في وقت مسلسلٍ ما بلهفةٍ شديدة كما كنت أنا وعائلتي حين نشاهد مسلسل "جميل وهناء"؟

أحياناً أتمنى لو أنني لم أُنجب يوماً، هذا الوقت خطِرٌ جداً على الأطفال، يسلبهم معتقداتهم البريئة ويقوم بتدشين أفكار غريبة عن الحياة والمخلوقات الأخرى ويجرهم إلى وديان الديانات والطوائف والحروب والأحزاب والعالم الآخر وغيرها من الأشياء العفنة التي لا يجدر بطفلٍ أن يكون على علمٍ بها.

يخطر ببالي كثيراً بألا أجعلها تغوص في بحر الأجهزة الذكية والتكنولوجيا حتى سنٍّ معينة. فأنا أريدها مميزة عن الباقين الذين يترنحون أمام أجهزة الموبايل مثل "الزومبي" فقط لأن أمهاتهن قد مللن من اللعب معهم أو يعطين اهتمامهن لأشياء أخرى عوضا عن أولادهم. ولكن ماذا لو أصبحت هذه التكنولوجيا ملزمة في المدارس والمراكز التعليمية، وذاقت صغيرتي حلاوتها لمرَّة، كيف سأستطيع أن أواجه ذلك؟ هل سيكون الجهد الذي سأبذله مضاعفاً عما كنت أنوي عليه؟ هل سأستطيع التحكم بذلك؟ هل سيكون هذا هو الصواب؟ هل ستكرهني ابنتي وأبقى بانتظار اليوم الذي ستصبح فيه أٌماً لتفهم موقفي؟

وحسب تقرير نشرته صحيفة الشرق الأوسط، فإن استخدام الأجهزة الذكية والتكنولوجيا الحديثة قد يحدث خللا لدى الطفل يؤثر على النمو الاجتماعي والوجداني الطبيعي للطفل، ويؤثر على تفاعله النفسي مع الأقران والأقارب. وفي الأغلب فإن هذه التطبيقات الإلكترونية سواءً للتعليم أو اللعب يمارسها الطفل بمفرده، وبالتالي فإنه معرض لأن يفتقد حميمية العلاقات الحقيقية مع الأصدقاء الحقيقيين بعيداً عن العالم الاعتباري. وأشار الباحثون كما نشر التقرير بأن هذه الوسائط -خلافا لما يتوقعه الآباء- يمكن أن تؤدي إلى تقليل الذكاء والابتكار لدى الطفل، حيث إن الإجابات الجاهزة بمجرد الضغط على الشاشات يمكن أن تؤثر على نمو الطفل الوجداني وتحد من الإبداع والتفكير في حل المشكلات بشكل منهجي.