ألغام التطرف وكوابحه

blogs - التطرف
التطرف مولود طبيعي بكر تنجبه تلك التصرفات الفكرية المنحرفة كسيادة القول الواحد، وتصدير كميات القسوة والانفعال في الردود والفتاوى ضد المخالفين، وتعرية الخصم وهتك أستاره، ونشر أشرعة الاستبداد على ضفاف العلم والتعلم، وتجريم القول الثاني وهدم أتباعه، والخطاب الحصري المغرور، وكلها عوامل يجمعها اعتناق السطحية وجعلها أرضية التلقي للإسلام.

تتأسس أركان مدرسة الغلو على المناهج المتطرفة القائمة على تلك الأحادية الفكرية الإجبارية، وحشر المخالف في زاوية حادة، وإشراب التلاميذ رؤية حصرية لامجال فيها للأخذ والنقاش. فينشئ التلميذ ساخطا على المجتمع من حوله، يراه مجتمعا خاطئا عن الصواب الذي يمثله هو ، مبتدعا عن السنة التي يمتثلها هو، مبطلا عن الحق الذي يقدمه هو. وبهذه النظارة يشاهد الحياة من حوله ويصدر الأحكام، ويدعي امتلاك النسخة الأصلية من الدين.

إننا نفعل ما نفعل لأننا نفكر ثم نشعر ولهذا نتصرف وبهذا الانشطار الدقيق تستكشف مناجم التصرفات ومنابعها، فكر يولّد شعورا ، وشعور ينجب تصرفا. بمعنىً آخر دورة حياة تلك التنظيمات المتطرفة والفرق الظالة تمر بثلاثة أطوار، فكرة ترتقي إلى عقيدة فتستحيل بعدها إلى نظام.. إن هذا التغول الشنيع والفكر الضال البعيد عن مناهج المعرفة الصحيحة الذي يمارسه هؤلاء هو النشأة الأولى لهذه الظاهرة السلاحية، حين تترك براعم هذا الفكر تنمو في العقول وتتعهد بالسقي المستمر من ماء السخط الزعاف، والعداء الصارخ، والغضب الجاهم، والكراهية المتصلبة على المخالف، والحقد المقدس بكساء المشروعية، إلى أن يستوي هذا الزرع على سوقه فلا ينقصه غير السلاح يُلغي به من خالفه كما ألغاهم قبل قليل بلسان حاد.

لم يكن النبي محمد عليه الصلاة والسلام يلقي كلمة عابرة عندما تحدث عن هلاك هذا الفكر وكرر تأكيده على ذلك بصيغة الماضي "هلك المتنطعون" ليقرر أنهم هلكوا قبل الابتداء وأنه فكر يسير في منحدرات الموت السحيقة، وهلاك أتباع هذا الفكر يؤدي بطبيعة الحال لإهلاك المجاورين له وإليه أشار «فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُو فِي الدِّينِ».

مكافحة الغلو والتطرف ليس بالتفسخ الخلقي المنحل فكلاهما تطرف.. الفكر لايدفع إلا بفكر أسمى منه وأرقى.. فأعيدوا النظر في تأهيل تلك المنحدرات الفكرية المهلكة بفكر مستقيم.

إننا يجب أن نعترف جميعا أننا سمحنا لهؤلاء الأغرار بالتعاطي السطحي للإسلام ولم نقف موقفا حازما أزاء تلك الدونية التي رسمت الإسلام مناطق مغلقة؛ فمنهم من قدمه للناس كشركة عائلية خاصة كما صنع أدعياء الحق الإلهي وقرناء القرآن المزعومون كالحوثيين في اليمن ونظرائهم في دول أخرى، ومنهم من رآه حصريا على بعض مظاهر السنة وعمل على خصخصته وتحجيمه وهو رحمة للعالمين، وأتقن فن الحذف والإقصاء للمخالفين له كما فعلت الجامية وفروعها في الأصقاع.. إن هذه الألغام الفكرية مفخخات خطرة يلعب بها الصبيان على أطراف الإسلام وتُفتح لهم أبواب الجامعات والمساجد يزرعونها على أرصفة العقول وجدرانه، ويلزمون الطلاب بها، وليس ثمت سبب رئيسي لانتشارها سوى الجهل المعرفي بالإسلام وتعاطي نصوصه بتلك الحرفية المتناقضة، والأفهام الطائشة.. وهناك أسباب أُخر…

إن علاج هذه الظاهرة يبدأ بتصحيح الفكر وإيضاح مقاصد الإسلام، وبيان ما بين السطور من نظرات هادية وأفق وثاب وقيم كبرى مثالية، تستوعب الجميع وتدلهم على المنهج المعرفي الصحيح للإسلام، وتبعدهم عن تقديم شرائع الإسلام وأحكامه قسريا تحت البند السابع، فليس بعدها سوى النفرة الفكرية المضادة من هذه القسرية المفرطة، وعندها يواجه التطرف بتطرف مثيل.. لقد أنفق الإمام الشاطبي (ت: 970 هـ) رحمه الله عمره يستقرئ نصوص الإسلام، ويغوص في عمقها العلمي يستجلي منها مقاصد الشرع ، ويروي مآلات الأحكام ويشرح فقه الدليل ودلالاته اللغوية، ويثقف أبناء الجيل في التعريف بأسرار التكليف، ويقدم نظرية متكاملة لفهم الإسلام، ولو أنهم انتفعوا بنتائج أبحاثه العميقة لأنقذوا أنفسهم من الهلاك.

مكافحة الغلو والتطرف ليس بالتفسخ الخلقي المنحل فكلاهما تطرف.. الفكر لايدفع إلا بفكر أسمى منه وأرقى.. فأعيدوا النظر في تأهيل تلك المنحدرات الفكرية المهلكة بفكر مستقيم.