قفزة الثقة.. ووطن أصابه الوهن الشديد

blogs - Egypt Flag
ما بين حادثة وأخرى يطل الإهمال برأسه مُخرجاً لسانه للجميع، وفي بلاد أصابها الوهن الشديد، تظل راية الإهمال عالية خفاقة، فلا حساب ولا عقاب إلا لأصحاب الضمائر الحية، أما تلك الضمائر العفنة فترتع وتلهو في البلاد طولها وعرضها، ما استطاعت إلى اللهو سبيل، فمن حادثة أفجعت أبناء محافظة سوهاج بتسمم ما يزيد عن ألفي تلميذ بسبب تناولهم وجبة مدرسية فاسدة، إلى حادثة أفجعت أبناء المنوفية بغرق شاب في مسابح استاد القاهرة العريق!

 

لم تمر أيام قليلة على حادثة سوهاج المفزعة والتي ينتظر الجميع فيها التحقيقات، التي غالباً ما ستخرج بأن ما حدث ما هو إلا "دلع عيال"، حتى لقي محمد بدر الشاب صاحب الـ18 عاماً مصرعه غرقاً في مجمع حمامات السباحة باستاد القاهرة، لم يكن بدر يعلم أن حلمه بالالتحاق بإحدى الكليات العسكرية سيقوده إلى الموت بقفزة أسموها قفرة الثقة، يتم تنفيذها من على ارتفاع أمتار ولتنفيذ هذه القفزة وحتى يكون مؤهلاً للالتحاق بكلية عسكرية، التحق بدر بأكاديمية "الديب" التي تؤهل الشباب للالتحاق بمثل هذه الكليات نظير مبالغ مادية.
 

قفز محمد بدر لكنه لم يخرج مرة أخرى، ظل في القاع رافضاً الخروج لهذه الدنيا من جديد، تركته الأكاديمية التي من المفترض أن لديها أكثر من منقذ لمواجهة مواقف كهذه، ولم يتم اكتشاف الجثة إلا بعد مرور يوم كامل، وبالمصادفة أثناء قيام سباحي بطولة الجمهورية للسباحة بالزعانف، بالتسخين في المسبح، شاهدوا جثة الغريق فأبلغوا إدارة الاتحاد والاستاد بما حدث.

محمد بدر راح ضحية الإهمال المتعمد، ضحية الضمائر العفنة، من يشاهد والدته وهى ترثيه وترثي معه بلاداً أصابها الوهن الشديد، لن يستطيع حبس دموعه.

بعد ساعات قليلة جداً من العثور على الجثة اختفت صفحة أكاديمية الديب الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، لكنها عادت في صباح اليوم التالي، ومن خلال متابعتي لما جاء في منشوراتها فإن المسؤول عن هذه الصفحة الرسمية كان يؤكد دائماً في رده على الأسئلة المتعلقة بخطورة هذه القفرة، أن هناك منقذين مدربين سيتواجدون أثناء تنفيذها!
 

جريدة الشروق المصرية ذكرت في تقرير لها أن وزير الشباب والرياضة "خالد عبد العزيز" وافق مبدئياً على تأجير مجمع حمامات السباحة لهذه الأكاديمية الخاصة نظير مبلغ مليون و800 ألف جنيه في العام، غير أن أقل مقابل مادي لتأجير مثل هذه المنشئات لا يقل عن أربعة ملايين جنيهاً، بحسب الجريدة.

لو صح الأمر فإن الموضوع تطاله العديد من شبهات الفساد، الأيام وحدها كفيلة بأن تكشفها لنا، وحول مسؤولية استاد القاهرة عن الواقعة قال اللواء "علي درويش" رئيس هيئة استاد القاهرة، أن إدارة الاستاد لم تستطع مراقبة الواقعة لأنه وبكل سهولة "مفيش كاميرات" وأن الأكاديمية هي التي استأجرت حمامات السباحة، وأن الاستاد قد خصص مشرفين يمرون عليهم أثناء التدريب.

والسؤال أين كان هؤلاء المشرفين أثناء وقوع الحادث! الرجل الذى أعلن على الهواء مباشرة أنه سيقدم استقالته، صرح قبل ذلك بأن استاد القاهرة مؤمن وبه نحو 299 كاميرا لتأمينه، لم يفطن الرجل إلى أنه من الضرورة تركيب بضع كاميرات أخرى لمراقبة مجمع حمامات السباحة، والأكثر غرابة من ذلك تصريحه بأن استاد القاهرة بجلالة قدره لا يتواجد به سيارة إسعاف واحدة، وهذا ما تسبب في تأخر نقل جثة الغريق لأربع ساعات كاملة، فبعد مكوثها في المياه ليوم كامل، اكتمل إكرام الميت في عُرفهم بلفِّ الجثة بـ"كيس بلاستيك" لأربع ساعات كاملة.
 

محمد بدر راح ضحية الإهمال المتعمد، ضحية الضمائر العفنة، من يشاهد والدته وهى ترثيه وترثي معه بلاداً أصابها الوهن الشديد، لن يستطيع حبس دموعه، ألهذا الحد قاسية أنتِ يا بلدي، أبهذا القدر ما عادت أرواحنا تهمك! ألهذا الحد أصبح الإنسان في مصر مجرد رقم، في حياته وفي مماته، مجرد رقم!
 

محمد بدر حلم ببدلة عسكرية كتلك التي يضربون له بها الأمثال، فكان الحلم سبيله إلى الموت في بلاد فيها الأحلام مضرة بالصحة وقد تؤدي بصاحبها إلى الهلاك، فإن كنت من مدمني الأحلام يا صديقي فلا مكان لك هنا!

"في مصر فئتين اثنتين، إحداهما تموت حتى تعيش الأخرى!".. قالها بحزن شديد خال الطالب الغريق، وحتى يصيبنا الدور، حسبنا الله ونعم الوكيل..