نزع القلق عن الأسئلة الوجودية

blogs - قرآن
في حوار مع أحد الأشخاص حول بعض الأسئلة الكبرى وما يتعلق بالإيمان والإلحاد، لاحظ أني أجيب بنوع من (الدفاعية) كما سماها، طلب مني الهدوء، بل وأخبرني أن الموضوع عنده مثل شرب كأس من الماء خلال الأعوام المنصرمة، وأنا أقلب صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وخلال نقاشاتي ومحاوراتي مع الأصدقاء دائما ما ينتابني تساؤل عن حياة الملحد – واللاديني أيضا-  كيف له أن يعيش باستقرار نفسي. كيف لمن لا يعلم ما سيحدث له بعد الموت أن ينعم بحياة. إني أتصور أن أي شخص يتعرض للتشكيك في الحقائق الكبرى لديه لا يمكن أن يعيش حتى يتيقن من موقفه حيال تلك الشكوك.. أما أن يكون الموضوع عنده كشربة ماء فهذا ما لا أفهمه.

إن هذا الذي أسميه "نزع القلق عن الأسئلة الوجودية" يعتبر سمة من سمات مفهموم العلمية أو الموضوعية في العصر الحديث، حيث يطلب من الناس نقاش كل شيء وأي شيء بالقدر نفسه من العاطفة، والقدر نفسه من الحماس، يريدون منك أن تناقش وجود الله أو النبوة أو مصير الإنسان كما تناقش أفضلية ميسي على رونالدو، كل المواضيع كـ"شربة ماء".
 

إن مجرد تصور إمكان وجود شك في حقيقة وجود الله يستفز النفوس السليمة ويقلقها، هذا الموقف يذكرني بموقف أصحاب النفوس السوية الصحابة.

إن هذا التصور للعلمية والموضوعية هو في حقيقته نوع من علمنة للأسئلة الوجودية، وإماتة للفطرة الإنسانية التي تتطلب اليقين في مثل هذه الأسئلة؛ هو نوع من خداع الذات الذي يمارسه الإنسان الحديث في كثير من مجالات الحياة، فقلب الإنسان فيه افتقار ذاتي، لله لا يسكن إلا مع الله وفي هذا يقول ابن القيم (إن في القلب شعث: لا يلمه إلا الإقبال على الله، وعليه وحشة: لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته، وفيه حزن: لا يذهبه إلا السرور بمعرفته وصدق معاملته، وفيه قلق: لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار منه إليه، وفيه نيران حسرات: لا يطفئها إلا الرضا بأمره ونهيه وقضائه ومعانقة الصبر على ذلك إلى وقت لقائه، وفيه طلب شديد: لا يقف دون أن يكون هو وحده المطلوب وفيه فاقة: لا يسدها الا محبته ودوام ذكره والإخلاص له، ولو أعطى الدنيا وما فيها لم تسد تلك الفاقة أبد).
 
أثارت الجلسة النقاشية التي أقامتها الجامعة عن الإلحاد ضجة واستنكار عند البعض حتى كادت أن تلغى.. مع اختلافي مع من طلب إلغاء الجلسة، إلا أن موقفهم موقف فطري طبيعي، فالجلسة تمس أصل الأصول وهو وجود الله، إن مجرد تصور إمكان وجود شك في هذه الحقيقة الكبرى يستفز النفوس السليمة ويقلقها، هذا الموقف يذكرني بموقف أصحاب النفوس السوية الصحابة -الذين لم تفسد فطرهم الحياة الحديثة- فقد كان يرد على أذهانهم تساؤل عن الله ومن خلقه، لقد كان يفضل أحدهم أن تبتلعه الأرض على أن يتساءل مثل هذا التساؤل وكان توصيف النبي صلى الله عليه وسلم لهذا القلق أنه "صريح الإيمان". 



حول هذه القصة

غلاف كتاب لأجل المسلمين

يسعى المؤلف من وراء هذا الكتاب إلى توجيه رسائل إلى فرنسا والفرنسيين لاستعادة العلمانية المتسامحة التي تتقبل الأديان ولا تعاديها وتتقبل التعايش السلمي في إطار مجتمع متنوع.

Published On 16/1/2016
مليونية تطبيق الشريعة في ميدان التحرير 9 نوفمبر 2012

ما زالت المواقف الإسلامية متباينة بشأن التعاطي مع العلمانية فكرة وممارسة، نتيجة لتباين سياقات التنظير والتطبيق للفكرة العلمانية من جهة، ومستوى استيعاب وفهم المنهج الإسلامي لدى رواده من جهة أخرى.

مواجهة كتابات بعض الملحدين.. الكيفية والحيثيات، إشكالية الاتهام بالإلحاد بين القبول والرفض، معالجة الأمور الخلافية، أسباب انتشار الفكر الإلحادي في الآونة الأخيرة.

Published On 3/6/2004
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة