صورة "الصومالي" في مخيلة الإعلام المصري

blogs-عكاشة 2
من الصعوبة أن تحرّر السذّج من الأغلال التي يبجّلونها (فولتير)! من الصعوبة تحرير الإعلام المصري الشعبوي – الأكثر صخباً في شرقنا – من أغلاله الفكرية وقولبته للشعوب الأخرى، لا يوجد تعريف لـ"الشعبوية"؛ فهي في الأصل حركة زراعية بإيحاءات اشتراكية، وتعني تحريك المشاعر غير العقلانية لدى الجماهير وتوجيهها ضد النخب أو الآخر! يستخدمون لغة "نحن الملائكة" والآخر هو الشيطان وعلى كاهله تقع جميع التشبيهات والأمثلة السلبية.

اللغة السوقية التي تسود مفرداتهم غير مبررة! أخطر ما في هذه الجوقة من الأبواق سلوكهم الشبيه بـ "حاطب الليل"؛ فهم لا يرون ما يفعلونه ومدى الأسى الذي يسببونه، ولا تكاد تجد فيهم إنسان رشيد، فهم كالدببة البنية، ماهرة في إهاجة خلايا النحل في نفوس القراء، لا تتورم وجوههم من كثرة اللسعات، تراهم مع كل تيار ناعق ضد الربيع العربي! يغيظهم تقرير من قناة الجزيرة فيلمزون ويغمزون من قطر، تتوتر العلاقة مع السعودية فيطلبون مقاطعة العمرة والحج!

ماذا لو أشعلنا عيدان الثقاب التي في داخلنا وأحرقنا صحافة عكاشة؟! ماذا لو تبادلنا الكراهية مع الإعلام المصري الشعبوي الذي يعيش في غابةٍ مِن أوراق الخريف البائسة؟!

الأدهى من ذلك كله حالة "التندر الفج من الصومال" والمستمرة منذ عقدين، تجد أحدهم – بلا مبالغة – يكتب مقالة عن النمل الأحمر في صعيد مصر، أو ناميبيا فيستشهد بالصومال والصوملة والتصومل والصمللة! كأنه لا توجد في عشوائياتهم وغرائبهم ما يستحق الاستشهاد به. مشهد اقتران الصومال بالسوء في المخيلة المصرية لا يبعد تاريخياً عن تلك الحالة التي سادت الشعر العربي "شعرنة الأسود الزنجي" وتحويله الى موضوع شعري يتم استحضاره بالوصف والتشبيه مثل الجمل والناقة – جحا -، بهذه الطريقة في العنف الناعم والمُلطّف تأتّى للخطاب الشعري العربي سَحْق الآخر الأسود ومَحْقُه وإلغاؤه وإخضاعه، وإدانة الهيمنة عليه فضلاً عن تحقيره والإستهزاء به! "تمثيلات الآخر: صورة السود في المتخيل العربي الوسيط.

هذه النظرة الاستعلائية هي نظرتهم – نفسها – تجاه الشعوب السمراء، ومن يتابع أفلامهم سيرى الفرعونية الكامنة في الإعلام المصري حين يتعلق الأمر بموسى الأسمر! إنَّ صورة الصومالي في مخيلة الإعلام المصري تحتاج إلى أسئلة عاجلة، وتفكيك علاجي لما وراء هذا الخطاب الموغل بالتنميط والازدراء، هل هي عنصرية بحتة؟ أم كسل صحفي، ومجرد استعارة الشائع والمتداول من التشبيهات؟ أم هي حالة انحطاط عام يعتري الشرق كله؟!

راسلني مدون مصري "محمد ربيع" على الفيس اقتبس منه المقطع التالي "لا يتم ذكر الصومال في أي وسيلة إعلامية إلا كمثال على الفشل والنهاية السوداء لأي خطأ أو عصيان أو تذمر من الشعب ( سياسة ترهيب جمهور غير واعي بمعلومات غير صحيحة على الإطلاق) وسرد عدة أمثلة لا يتسع لها المكان منها ما قاله صحفي شهير "في حال طبقنا الشريعة بمصر سنتحول الى الصومال! انتقاد صحفي في جريدة الأهرام لانعقاد قمة "إيغاد" في مقديشو وقائمة من الأسئلة الركيكة! الاستخفاف بالصومال في الدراما المصرية "أمير البحار" "حاحا وتفاحة" إلخ، حتى المرأة الصومالية لم تسلم "انتهى كلامه.

المقالات المصرية النمطية ضد "الصوملة" تشابه وترقى إلى تلك الدراسة التي قام بها "جاك شاهين"، بدراسة 1000 فيلم أمريكي على مدار القرن الماضي ليخرج بنتائج تريك كيف تنظر هوليوود إلى العرب بمنظار ضيق وصغير"7 صور نمطية للعرب في هوليود.

كتبت قبل فترة عن الخلل اللاإنساني في منظومة الاستشهادات العربية! سخرية كامنة ضد الأشقاء الذين يسقطون في غيابة الجبّ، الحرب الأهلية والجوع والجفاف والهجرة القسرية جميعها مآس إنسانية تستحق التضامن وليس المعايره! الإعلام المصري الشعبوي ليس الوحيد، فهناك مثال آخر على العقلية العربية الشعبوية! أنظر الى تشبيه السوري في الإعلام اللبناني الشعبوي، "هل زرتنا قبل قدوم السوريين؟! كنتَ سترى جمال بيروت"! وغيرها من الموضوعات المشابه التي تجدونها في صحفهم وتغريداتهم، حالة من الدناءة المعرفية يسحق فيها صاحب القلم أخيه لمجرد سقوط الأخ في سنة التداول الكونية (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ).

المثقف الصومالي لم ولن تعجبه تلك الصورة التي ينشرها الإعلام المصري عن مفرداته الوطنية، هناك محاولات جادّة لإصلاح هذا الخلل بدون التهجم على الشعب المصري الشقيق، والذي يعاني بدوره من طبقة المماليك الإعلامية! انتشرت مقالات تتحدث عن ضرورة احترام "الصوملة" وخاصة بعد نجاح الصومال في التقاط صورة تُجمِعُ ثلاث رؤساء صوماليين منتخب وسابق وأسبق.

لا يتم ذكر الصومال في أي وسيلة إعلامية إلا كمثال على الفشل والنهاية السوداء لأي خطأ أو عصيان أو تذمر من الشعب ( سياسة ترهيب جمهور غير واعي بمعلومات غير صحيحة على الإطلاق)!

مؤخراً حدثت عاصفة من التعليقات على مقال ركيك لدكتور مصري! مقيم في السعودية، ربط الصومال بموضوع اجتماعي يخص السعودية (التسوُّل) تحدَّث فيه بازدراء عن عواصم الصومال التي لم يزرها، متجاهلاً الطبوغرافية النفسية الصومالية التي تترفع عن التسوّل ومدّ اليد. الردود الصومالية كانت مثيرة للإعجاب في قوة رسالتها: "لن نتحمل الشعبوية الإعلامية" ويمكن أن نفعل المثل أي نقابل الشعبوية بطريقة شعبوية تُثير الكراهية بين شعبين مسلمين، تمامًا كما حدث مع الإعلام الجزائري في أزمة كرة القدم الشهيرة؟!

السؤال الذي يطرحه الشباب: ماذا لو أشعلنا عيدان الثقاب التي في داخلنا وأحرقنا صحافة عكاشة؟! ماذا لو تبادلنا الكراهية مع الإعلام المصري الشعبوي الذي يعيش في غابةٍ مِن أوراق الخريف البائسة، ومع ذلك يرمي أعواد الثقاب على مفردتنا العزيزة "الصومال" بلا ملل ولا كلل في غباء منقطع النظير؟! فيما مضى كان في فمنا ماء وحياء وغفلة عن ما يحاك ضدنا من ألسنة السوء، هذا الزمان انقضى كالعام وولّى، لقد "لفظنا الماء وفي قلمي سجيل"، وحان وقت عقد تلك الأفواه. 

وأختم بهذه القطعة الأدبية:

"أنا راعي أسمر من أندلس الجنوب
فقدت غرناطتي في حروبي الداخلية
بكيت على الحمراء وقرطبة شيخ مطر
وعواصم كالزواهر والكواكب
ارتحلت إلى موسم الشمال بعد أن حل الجفاف
لم أسرق يوما ولم أتسول وكبريائي فوق ما يقولون
ساقني قدري الخيميائي إلى مصر المبكيات المضحكات
فوجدت قوماً صحافتهم من لعب
جُعت فسخروا مني
يملكون سحر البيان بلا أدب
ونملك حق الرد بأدب
والله المستعان على من ظلمنا



حول هذه القصة

A pro-Trump rally participant is punched in the face by an anti-Trump protester as the two sides clash at a Pro-Trump rally in Huntington Beach, California, U.S., March 25, 2017. REUTERS/Patrick T. Fallon TPX IMAGES OF THE DAY

بدت المشاركة في المسيرات المنسقة التي كانت تستهدف إظهار الدعم للرئيس دونالد ترمب، منخفضة في عدد من المدن الأميركية أمس. كما شهدت عددا من المصادمات بين مؤيدي ترمب ومعارضيه.

Published On 26/3/2017
غارة للتحالف على الموصل تقتل 137 مدنيا

توقفت العمليات العسكرية بالجانب الغربي من الموصل بعد مجزرة حي الموصل الجديدة، ويجري تحقيق بالمجزرة التي نفذتها طائرات التحالف الدولي بقيادة واشنطن، وسط قلق أممي من تزايد أعداد الضحايا المدنيين.

Published On 26/3/2017
Crime Scene Unit works on the spot where police shot dead a suspected militant who tried to enter a security checkpost on a motorcycle armed with explosives in Khilgaon, outskirt of Dhaka, Bangladesh, March 18, 2017. REUTERS/Mohammad Ponir Hossain

أعلنت شرطة بنغلاديش سقوط ستة قتلى وعشرات الجرحى بتفجيرين أثناء مداهمة قوات خاصة مخبأ لمن وصفتهم بإسلاميين متطرفين في منطقة سيلهيت شمالي شرقي البلاد لإنقاذ رهائن. وتبنى تنظيم الدولة التفجيرين.

Published On 26/3/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة