رحلةُ البحث عن النِّصف الآخَر (٢)

blogs- الزواج

في خضمِّ رحلة البحث سيتبادر لذهنك أسئلة كثيرة، عن ذلك اللقاء الأول الذي سيجمعك بها، عن تلك الأمانيِّ التي خططتَها في دفتر مذكراتك، هل حقًّا ستكون هي ذاتها من أبحث عنها، بكل الصفات والسمات التي أتمنى وبها أحلم؟ هل حقًّا ستعيش ذلك الحب الذي رحتَ تكتب عنه نثرًا وشعرًا؟ هل ستشاطرك شغف ما تحب؟ أم هل تراك ستكون قادرًا على البوح بتلك المشاعر التي خبأتَها، وأقمتَ عليها جدارًا، أتراه ينقضُّ فتبوح بما يجول داخلك؟ أترى هل يكفيك لقاء لتعلم إذا ما كان اختيارك ملائمًا؟ أم أنّ كل تساؤلاتك حين تلتقي اللواحظ ببعضها ستختفي وتبدلها بصمت مطبق؟ ألا ترى أنَّك أسرفتَ في السؤال؟ فالرحلة ما زالت في بدايتها، وإنّه عليك بالصبر، فلا تمْرَ تبلغه دون صبرٍ تلْعقُه، وإنَّ هناك محطاتٍ ما زالت تنتظرك، لتتزود منها بما يعينك على إكمال الطريق، ومما كذلك يمنحك خبرةً ومعرفةً ودراية، فلا تعجلْ وتأنَّ، فإنك مقبلٌ على حياة تخصُّك وحدك، فيها قدرٌ كبيرٌ من المسؤولية تقع على عاتقك، فليس الأمرُ اجتماع قلبين تحابّا فحسب، بل حياةٌ متكاملة في قالَبٍ يُدعى الزواج، فاثبت ولنكمل المسير.

المحطة الثالثة: شريعة الحب
إنَّ أحد أهمِّ دعائم الزواج السليم وأثبت ركائزه هو الحب، بل يعدُّ الزواج تطبيقًا لأقصى درجات الحب، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما رأيت للمتحابين مثل النكاح"، فالزواج يأتي تتويجًا لكلِّ حب عفيف طاهر ليحافظ عليه ويصونه، وإن لم يرِد الحب بصريح العبارة في القرآن الكريم، إلا أنَّه متغلغلٌ في معانيه، فالنساء شقائق الرجال، جُبْلنَ منهم، وجُبلوا منهنّ، فجاء الخلقُ من النفس في صورة تمثل أقصى درجات التقارب أي الحب، وأما الداعي فكانت السكنى، والمأوى، وهل يسكن المرء إلى زوجه ويأوي إلا بدافع الحب؟! فإنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أول ملجأ له بعد الله في خوفه وفزعه زوجته أم المؤمنين خديجة، فلولا الحب لما أوى رجلٌ بقوته ورباطة جأشه لامرأة بضعفها وحنانها وعاطفتها، فإن منشأ أي مودة أو رحمة هو الحب الذي يسكن قلوبنا، وإن للحب سلطة على القلوب لا يملكها حتى البطش والجبروت، فكيف يُقبل المرء على الزواج دون أن يعرف الحب ويجده في قلبه؟

القوامة تعني: ولاية يفوض بموجبها الزوج القيام على ما يصلح شأن زوجته بالتدبير والصيانة، أي أنَّ مركز اهتمام هذه القوامة هي الزوجة، وهي تشريف وتكريم لها

ليس الحب أن تعرف فتاة قبل الزواج وتصارحها بمشاعرك، وتعدها وتمنِّيها، وليس الحب أن تبعث لها برسائل الشوق والرغبة في اللقاء، وكم شوَّهت ممارسات "المتحابين" في أيامنا هذه صورة الحب، فنفَّرتْ منه القلوب، وجعلتْ منه سلعةً رخيصة بين يَدَيْ من لا يستحقه ويقدره، فالحب يعني الصَّوْن، يعني الطهر والعفاف، فلا يليق بالحب إلا أن يُوضع في قالب يصونه ويحفظه فلا يَتلف ولا يبلى ولا يُستنزف، والحب يعني الصبر والعزيمة، أن تحفظ مشاعرك ومشاعر من تحب بما يليق بها ويستوجب، فإنَّ أعذب الماء ما تشربه بعد ظمأ، وكذلك أعذب الحب ما تذوقه بعد رباط شرعيّ يليق بهذا الحب ويقدره، فلتعرف الحب بما يستحق، لا بما درجت عليه الموضة وتعارفت عليه قصص روميو وجوليت، فإنَّ في سيرة النبوة المحمدية وفي قرآن رب العالمين ما يغنيك عنها، فإنَّ شريعة الإسلام أقرَّت شريعة الحب بما يليق به وكرَّمته، بمفهومه الشامل الذي يتسع للجميع ولا يضيق بأحد، وليس حكرًا على قصص وخيالات وأميرة وأمير، بل هو حيث تبحث عنه، في كل مكان يربض ويقيم، فأبصره قبل أن تقبل على الزواج واحمله في قلبك لتنتقل إلى المحطات القادمة وليكون مفتاحًا لكلِّ باب مُوصد.

المحطة الرابعة: الزواج السليم في الفهم السليم.
كنتُ قد قلتُ في مدونة سابقة: "إنَّ عماد أيِّ مجتمع سليم هو زواج سليم، وقبل ذلك اختيار سليم، فالأسرةُ هي ذلك العنصر الذي يكوِّن المجتمع، ولبِنتُها الأساسية شابٌ وفتاة تناسبا وتلاءما." وليتحقق هذا فلا بُدَّ من فهم سليم لتفاصيل الحياة الزوجية وإدراكٍ للدور المنوط بك فهمًا دقيقًا حتى تضمن النجاح والاستمرار، ولهذا سنمرُّ على بوابات إشكالات الفهم لنصحح النظرة الخاطئة بما يتعلق بالحقوق والواجبات الزوجية وما يترتب عليها من إدارة وتسيير وحفاظ على بيت الزوجية.

البوابة الأولى: حقُّ القوامة تكليف للزوج وتشريف للزوجة.
إنَّ من أعمدة الزواج السليم إثبات القوامة الزوجية للزوج بضوابطها الشرعية، وقد أقرَّ الله عز وجلّ هذا الحق بقوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ)، وهذه القوامة تعني: ولاية يفوض بموجبها الزوج القيام على ما يصلح شأن زوجته بالتدبير والصيانة، أي أنَّ مركز اهتمام هذه القوامة هي الزوجة، وهي تشريف وتكريم لها بأن جعلها تحت قيّم يقوم على شؤونها وينظر في مصالحها ويذب عنها، ويبذل الأسباب المحققة لسعادتها وطمأنينتها، وهذا الحق هو استحقاق في جوهره، لا سلطة قهر أو تعذيب، ولا رجولة تستعرضها، ولا يعني كذلك تغييبا لرأيها وحقها في صنع القرار مشاركة وإياك، فقد جاء الإسلام بالكرامة للمرأة، بالشرف والتقدير، جاء بما يكفل حقوقها ويحميها من كيد الآخرين وعدوانهم لما في طبيعتها من اللين والرقة واللطافة؛ فهي الأم الحنون، وهي الأخت الكريمة، وهي الزوجة الحبيبة، وهي البنت الرقيقة، وليست من سقط المتاع أو مودعًا لقضاء الشهوات، فكن أهلًا لهذا الحق حتى تنال الأثر المترتب عليه.

كم شوَّهت ممارسات "المتحابين" في أيامنا هذه صورة الحب، فنفَّرتْ منه القلوب، وجعلتْ منه سلعةً رخيصة بين يَدَيْ من لا يستحقه ويقدره، فالحب يعني الصَّوْن، يعني الطهر والعفاف

كان النبيُّ صلوات ربي وسلامه عليه فيضًا من حنان وينبوعًا من مشاعر وعواطف، مثالًا للمحب الغيور الكريم، فلتأنس في رحلتك ببعضٍ من سيرته في معاملته لأزواجه، فقد كان يدلل أم المؤمنين عائشة فيقول لها: " يا عائش، هذا جبريل يقرئك من السلام" وكان صلى الله عليه وسلم يضع فمه على موضع فمها في الشرب والمأكل، بل وحتى في الحرب كان رؤوفًا رحيمًا بزوجاته، ففي طريقهم إلى المدينة -قادمين من خيبر- كان النبي يجلس عند البعير ويضع ركبته لصفية حتى تركب البعير، وحين كانت في سفر على بعير فأبطأت المسير، فكانت تبكي وتقول: حملتني على بعير بطيء، فجعل رسول الله يمسح دمعها ويخفف عنها حتى تسكت عن البكاء، فكان دائمًا مسارعًا لسعادتهن وملاذًا لهن، فهذا هدي نبيك فبهداه اقتده.



حول هذه القصة

رئيسة مجلس قضاء الموصل تتحدث عن مجزرة بقصف جوي

قالت رئيسة مجلس قضاء الموصل بسمة بسيم إنها أصبحت ممنوعة من دخول الجانب الأيمن للمدينة بموجب توجيهات أمنية ابتداء من أمس السبت، وذلك بعد كشفها مقتل المدنيين بغارة التحالف.

Published On 26/3/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة