حكاية عودة مستحيلة

blogs - الريف
يصفُ أحمد أبو دهمان في روايتهِ (الحزام) الصادرةِ بالفرنسية، قريتَه فيقول: "والسماء عندنا جزءٌ من الجبال، في قريتي لا يسقطُ المطرُ كعادتهِ بل يصعد!".. قريتهُ التي أراها من شرفةِ بيتنا بوضوح، لن تعود لأحداث الرواية لأنَّ التاريخَ لا يمتُّ للحاضرِ بصلةٍ سوى الكلماتِ التي تسكُبُها الأقلامُ على الورق! ولن يتمخضَ عن شوقِ كاتبها لها، العودةُ إليها.. هيهات، أن يحدثَ شيء استثنائي كهذا!

مُنذُ سنواتٍ طويلةٍ أقومُ بزياراتٍ مُتكررةٍ لمَسقطِ رأسي في الريفِ الذي يبعدُ مئات الكيلومترات عن العاصمةِ التي أعملُ فيها، منطقةٌ نظيفةٌ وأجواءٌ معتدلةٌ صيفاً تميلُ للبرودةِ شتاءً وحياةٌ هادئةٌ بلا صخب. كان يتملَّكُني شعورُ الراوي في (موسمِ الهجرةِ إلى الشمال) وهوَ يَصِفُ حَاَلَهُ أثناءَ عودتهِ لبلدتهِ بعدَ سنواتِ الدراسةِ في الغرب: "وأرخيتُ أُذُني للريح، ذاكَ لَعَمْري صوتٌ أعرفهُ، لهُ في بلدنا وَشْوَشَةٌ مَرِحَة. صوتُ الريحِ وهيَ تَمَرُّ بالنخلِ والحقول، وسَمِعتُ هديلَ القُمْرِيَ، ونظرتُ خلالَ النافذةِ إلى النخلةِ القائمةِ في فناءِ دارِنا، فعلمتُ أنَّ الحياةَ لا تزالُ بخير….)… لكنّْي الآنَ مُتَيَّقِنٌ أنَّ شعورَ الطمأنينةِ الذي ساورَ الراويَ حينَ أشارَ إلى الحياةِ التي ما زالتْ بخير، بدأَ يخبوْ في صدري وصِرتُ أخافُ من كُلِّ شيء، وأشعرُ أنيَّ مُضطرٌّ لشيءٍ ما أفعله، ولا أدري ما هو وقد يكونُ اللاشيء!
 
خمسونَ رجلاً وامرأةً من الأكابر، عرفتُهم في طفولتي ومُبتدى شبابي وَهُمْ من أجيالٍ مُختلفةٍ أصغرُها مولودٌ في عقدِ الخمسينيات وغُرَّةِ الستينيات، منهم من قضى نَحْبَه وَهُمْ كثير، وقليلٌ ينتظر! وقد كُنتُ أتصوّْرُ أنَّهُم نُخبةٌ تُمَثِلُّ عَصَبَ الحياةِ التي لا يُمكنُ أنْ تستمرَّ إلا بوجودهم.. ذهبوا ورحلوا عن هذهِ الُدنيا واستمرَّتِ الحياةُ بعدهم على نقيضِ ما كنتُ أعتقد، ولكنَّها وإنْ استمرَّت لم تَعُدْ كما كانت! ريفي لمْ يَعُدْ ريفاً بالمعنى الدقيق، باتَ أكثرَ تمديُناً ورُبَّما أشبهُ بضاحيةِ مدينة، معظمُ شوارعهِ عُبِّدَتْ وأُضيئتْ وتَمَّتْ تغذيتهُ بمشروعاتٍ حكوميةٍ وتجاريةٍ تُحيلهُ إلى مدينةٍ في ثوبِ ريف. وبالرغمِ من كُلِّ هذا التَمدْيُن استمرَّ هَوَسُ الهجرةِ إلى المدينة، لم يَعُد الناسُ في حقيقةِ الأمرِ يعبأونَ بالتحسيناتِ التي طرأت مؤخراً على ريفهم، وصارَ قرارُ رحيل الأسرةِ بيَدِ الأجيالِ الناشئةِ المُتطبِّعةِ بالتمرُّد ونَزَقِ التغيير!
 

هل سأتمكنُ "أنا" من العودةِ إلى مسقطِ رأسي، والوقوفِ مكانَ أبي لإرواءِ السنابلِ بطريقتهِ التي ما زالت أماميَ الآن، وأعودُ لأقتني ضأناً وماعزاً فألاحِقُها على سفوحِ الجبالِ.

في إرهاصاتِ العقدِ الثاني من عُمري مَطلعَ التسعينيات، كُنتُ ألمسُ حداثةً منضبطةً لم تَحرقْ طباعَ الأكابر، كُنّْا نراهم في مزارعهم أو خلفَ أغنامهم مع بواكيرِ الصباح، ذَهَبْتُ لمزرعةِ أُسرتي قبلَ أيامٍ وألفيتُها مُقْفِرةً من كُلِّ ذي زرع، وفي قاعِ بئرها كِمِّيةٌ لا بأسَ بها من الماءِ الذي تراكمَ بفعلِ أمطارٍ هطلتْ مؤخراً، ثُمَّ تكوَّنت عليهِ طبقةٌ خضراءٌ من الطحالبِ والسوطياتِ جرَّاءَ عَدَمِ الاستفادةِ من المياه! تَذَكَّرتُ والدي واقفاً في مَطلعِ التسعينيات في ذاتِ الحقلِ القاحلِ الذي أقفُ عليهِ الآن، وهو يُهَنْدِسُ حركةَ الماءِ في مربعاتِ سنابلِ القمحِ المنتظمة، كُلَّما امتلأَ مُرَبَّعٌ منها ماءً، هَمَّ بتعديلِ القناةِ لمُرَبَّعٍ آخرَ وهكذا حتى تغيبَ الشمس!
 
تَذَكَّرْتُ خُرطومَ الماءِ المعدني المعقوفِ عِندَ فتحةِ خَزَّانِ المياهِ الخاصِ ببيتنا، وكيفَ كانَ بعضُ الماءِ يتناثرُ خارجَ فُوَّهَةِ الخزَّان بفعلِ الرياح، كانَ هذا الماءُ الُزلال الآتي من بئرِ المزرعةِ مَصدراً لاستخداماتِ الطبخِ والغسيلِ والنظافة، أما اليوم فيستأجرُ والدي صهريجاً للماءِ يأتي من مِضخَّاتِ تحليةِ مياهِ البحر! واجهَ الأهالي سنواتٍ عجافٍ قَلَّ فيها الغيثُ واستفحلَ الجدبُ، وكان البديلُ غذاء مستورداً بالكامل بعد أنْ كانوا يحصدونَ كمِّياتٍ لا بأسَ بها من الُحبوبِ والحِنطة، فمن جزءٍ يأكلون والباقي يتمُّ بيعه.. تقولُ خالتي الكُبرى المُنتَميةُ للأكابر: "لن تعودَ الحياةُ كما كانت.. كيفَ تعودُ والماءُ الذي كانَ سبيلاً للناسِ كافَّة، أضحى مَكيلاً يُباعُ في الأسواقِ مُعَلَّباً؟!"..

وحينما يرفعُ خطيبُ الجُمُعةِ يدَهُ سائلاً اللهَ نزولَ الغيث، لا تكادُ ترى جديةً وصدقاً في الدعاءِ والتوسلِ إلا عِندَ الأكابرِ المُسنينَ في الصفِ الأول.. أحصيتُها ثمانيةَ الآفِ يومٍ أو تزيد، حصيلةُ حياتي منذُ اليومِ الأولِ الذي ودعتُّ فيه أُمّْي وأَبي وأُخوتي مُغادراً إلى الظهرانِ شرقَ البلادِ بغرضِ الدراسة، ثُمَّ العاصمة للعمل. مُدَّةٌ كافيةٌ بالفعلِ لتتغيرَ ملامحُ الحياة؛ الأرضُ والإنسانُ فرداً ومجتمعاً، والسلوكُ والعاداتُ ومنظوماتُ القيم.

في هذا الظرفِ الدقيق، تُراوِدُني رغبةٌ كاذبةٌ بالعودةِ للريف، أقولُ لِم لا تكونُ بقيَّةُ العُمرِ هُناك.. في نهايةِ الأمرِ أنا "مخلوقٌ لهُ أصل، لهُ جذورٌ ولهُ هدف"! وأتَفَكَرُ في الأمرِ لأجِدَهُ ينطوي على ضرورةٍ لا مُجْرَّدَ خَيَارٍ مُتْرَف، ولهذا بالمُناسبةِ أساسٌ شرعيٌ في الحديثِ الصحيح: "يُوشِكُ أنْ يكونَ خيرَ مالِ المُسلم غَنَمٌ يتبعُ بِها شَعَفَ الجبالِ ومواقعَ القَطْرِ يَفِرُّ بدينهِ من الفِتَنْ".. قناعاتي تقولُ لي إنَّنَي لستُ بخير، وأنّْي بحاجةٍ لإيقافِ هذهِ الحالِ المُبعثرةِ بُكلِّ وسيلةٍ مُمْكِنة. والذي يمنعُ إجراءً تصحيحياً كالعودةِ إلى الريف، إدمانُ المُدنِ ونَمَطِ معيشَتِها الباهت، وخشيةُ الدخولِ في تجربةِ تغييرٍ لا تُحَقِّقُ المطلوب!
 

عُدْتُ إلى الشمالِ حيثُ جهةِ العاصمةِ بعدَ زيارةٍ خاطفةٍ لمسقطِ رأسي، ريفٌ يتمنى لو كان نسياً منسيا. ولأنَّ اتجاهي إلى الشمال، أحببتُ أنْ أؤكدَ "أنني أريدُ أنْ آخذَ حقّْي من الحياةِ عُنْوَة".

هل يُمكننا إعادةُ عقاربِ الساعةِ إلى الوراءِ لتعودَ الأنسنةُ مهيمنةً على التشيؤ؟! أشكُّ في ذلك، وأجزمُ أنَّ قسوةَ الأقدارِ ستكونُ الثمنَ الباهظَ الذي يُمكنُ من خلالهِ إعادةُ بناءِ الإنسانِ من جديد.. لكنْ بعدَ خرابِ مالطا للأسف الشديد! فاستمرارُ "هستيريا" التقنية والنمو الانفجاري للقريةِ الكونيةِ الواحدةِ الذي تَذوبُ فيه الهويات والخصوصيات يُنذرُ بكوارثَ قِيَمِيّْة تُحيلُ البشرَ إلى غيرِ مبدأِ الاستخلافِ الذي سَنَّهُ اللهُ لبني آدمَ منذُ الأزل، وبذلكَ يُصبحُ هذا التحدي الأرعنِ السخيفِ لِسُننِ الخالقِ أُسَّ النهايةِ المحتومة، فالله غالبٌ على أمرهِ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون.

كنتُ أُتابعُ الأخبارَ بشكلٍ يوميٍ في مراحلِ دراستي المتوسطة، كانتْ تتكررُ أمامي بينَ فترةٍ وأُخرى أخبارٌ عن جماعةِ السلامِ الأخضرِ في الغرب، كانَ أفرادُها المتطوعينَ يتظاهرونَ ويعتصمونَ ويرشقونَ بعضَ الشخصياتِ الحكوميةِ والتجاريةِ بقواريرِ المياه، لم أكنْ أُدركُ وقتها أهميةَ ما يقومونَ بهِ وأنَّهُ لم يكنْ صدفةً محضة، بقدرِ ما كانَ تغذيةً راجعةً للألمِ الكبيرِ الذي يشعرُ به الإنسانُ الغربي إزاءَ الفوضى الرأسمالية المُدَمِّرةِ لمعنى أنْ يكونَ إنساناً! وهنا في مشرقِنا وفي الخليجِ خصوصاً اقتلعَ التصحرُ السلوكيُ الناشئ عن تُخمةِ الاستهلاكِ نقاءَ الأريافِ والقُرى وسَحَقَ الماءَ والخُضرةَ والزرعَ والضرع.

هل سأتمكنُ "أنا" من العودةِ إلى مسقطِ رأسي، والوقوفِ مكانَ أبي لإرواءِ السنابلِ بطريقتهِ التي ما زالت أماميَ الآن، وأعودُ لأقتني ضأناً وماعزاً فألاحِقُها على سفوحِ الجبالِ وتصنعُ لي زوجتي من حليبها لبناً مُخَثرَّاً، وأخلدُ للنومِ بعدَ العِشَاء؟!

بَقيَ أنْ أؤكدَ أنَّ هذهِ التدوينة لا تُعبِّرُ بالضرورةِ عن رأي المُدوِّن، ذلكَ أنَّ المُدِّون كالشاعر يقولُ ما لا يفعل، ويجوزُ لهُ ما لا يجوزُ لغيره! 

عُدْتُ إلى الشمالِ حيثُ جهةِ العاصمةِ بعدَ زيارةٍ خاطفةٍ لمسقطِ رأسي، ريفٌ يتمنى لو كان نسياً منسيا. ولأنَّ اتجاهي إلى الشمال، أحببتُ أنْ أؤكدَ "أنني أريدُ أنْ آخذَ حقّْي من الحياةِ عُنْوَة. أُريدُ أنْ أُعطي بسخاء، أُريدُ أنْ يفيضَ الحبُّ من قلبي فينبعُ ويُثمِر، ثَمَّةَ آفاقٌ كثيرةٌ لا بُدَّ أنْ تُزار، ثَمَّةَ ثِمارٌ يجبُ أنْ تُقْطَفْ، كُتُبٌ كثيرةٌ تُقْرَأ، وصفحاتٌ بيضاءٌ في سِجِلِّ العُمر، سأكتبُ فيها جُمَلاً واضحةً بخطٍ جريء"! كما يقولُ الراحلُ، الطيب صالح.



حول هذه القصة

تناول برنامج “خارج النص” رواية “الصمت والصخب” للكاتب السوري نهاد سيريس التي تدور أحداثها في بلد عربي يحكمه زعيم، وكيف تبدو الأغلبية الصامتة مقابل صخب الدعاية للزعيم وأدواته، خصوصا الإعلام.

صدرت قبل أيام رواية بلغة موليير للكاتب المغربي ماحي بينبين بعنوان “مجنون الملك” يستعيد فيها المؤلف ذاكرة الأب الذي كان طوال نحو ثلث قرن مؤنسا للملك الراحل الحسن الثاني.

21/3/2017

فؤاد العروي من أشهر الكتاب المغاربة الفرانكوفونيين وأعمقهم موهبة. نال أرفع جوائز الأدب الفرانكوفوني “غونكور” للقصة على خطى مواطنيه الطاهر بنجلون في الرواية وعبد اللطيف اللعبي في الشعر.

22/3/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة