شعار قسم مدونات

الديمقراطية.. تلك هي المسألة

BLOGS - علم المغرب

ما الذي يجعل الديمقراطية عبارة عن معشوقة متيمين بأحلام تبدو بعيدة المنال! وما الذي يجعل الأمل في عصر موبوء طاحونة هواء قد لا تبقي ولا تذر! أيكون حقا حصاننا الأرعن من سلالة لا يمكن ترويضها في حلبة الكوريدا، أم السعال الديكي تحول فينا إلى سل نخر الرئتين دون سابق إشعار.. كم حلمنا ونحن أطفال! كم عشقنا الحرف في غلالة أبجدية سكنت جوا نيتنا!. وكم خلنا الانتماء هوية من لا هوية له، فصارحنا الأحياء والأموات لننتزع حقا مشروعا ظل مشنوقا على حبل غسيل العشيرة، ترعاه نجوم عارية في فيافي ثقافتنا العشائرية!..كم لفظتنا سوء أحوالنا العربية لأننا لا ندين بالولاء الكهنوتي، ولا نحسن الترقيع بين الفاعل والمفعول به!..وكم طلقتنا الملاحق الثقافية لأننا من سلالة لا تحسن الإيقاع في حضرة من يقتاتون من جماجم لحم إخوة ونجوم في السماء تنظر ولا تسعف!..

 

صعب على المثقف أن يخرج من سم الخياط في زمن بيعت فيه المصداقية المشتهاة.. وصعب عليه أن يولي الأدبار ويترك معشر من يسلخون جلد المسيح في قداس نسجته أنامل ملطخة إلى إشعار آخر..كم هي مضحكة ثقافاتنا الفلكلورية التي غدت لا تختلف عن ثقافة فقهاء القبور!..كل يدين بناموس العشيرة، ويسبح بتراتيل الضيافة المتبادلة والدعوات المبطنة بمسحة النميمة المبتذلة.. لسنا ندري إلى متى سيظل القطار خارج السكة عرضة لسماسرة ينهبون ويصرخون ويتباكون! إلى متى سيظل الانتماء موحدا والقلوب والأهواء والمراوغات شتى!

 

من منا يحتمل أن ينعت بالغباء والسذاجة في زمن افتضحت فيه القصيدة، واستوت فيه المتناقضات!.. من منا معشر الأحرار الشرفاء يستطيع أن يثق بعد الآن بالخطابات المنمقة المعسولة

إلى متى نتمرغ في صخب غبار داحس والغبراء ومنطق الأشياء وهم ودوار!.. بالأمس فقط كانت الأحلام كبيرة وبريئة، وكان المبدع والناقد والمفكر يبني أمجاده في عز وشموخ. تكفيه نظرة إكبار واحترام وإجلال ليصنع أبراجه وفضاءاته التي لا يحدها حد ولا توازيها سعادة ليتحول الحلم في رمشة عين إلى ًسيربروسً يتلقف برؤوسه السبعة مملكة الإبداع.. ما أبشع أن يقتات المثقف من عرق جبين إخوة خالوا الانتماء لأسرة واحدة هو خلاص وتطهير من دنس النفس الأمارة بالسوء..!

 

من منا يستطيع معشر المثقفين أن يبطل فيروس الإخوانيات المجانية ويجتث من جسمنا ناموس ًالكلامولوجيا ًالذي غدا مسلمة لا تقبل النقاش ولا حتى لغة الإشارة؟.. هكذا أصبحنا نستدعى إلى المؤتمرات (ثقافية كانت أم نقابية) والكل يعلم علم اليقين النتائج التي تحبك وتهندس تحت شعار مجوف يسمونه: الشفافية/الديمقراطية/الحداثة/الاستقلالية.. من منا يحتمل أن ينعت بالغباء والسذاجة في زمن افتضحت فيه القصيدة، واستوت فيه المتناقضات!.. من منا معشر الأحرار الشرفاء يستطيع أن يثق بعد الآن بالخطابات المنمقة المعسولة بعد أن أدمتنا حقائق إخوة لنا لبسوا قناع در مع الزمان كما يدور؟
 

من منا معشر مثقفي المدن الهامشية يستطيع أن يزور المدن المركزية دون أن يضع الأصبع على الزناد؟.. إننا حقا في زمن اختلت فيه الموازين: زمن يحتفي بمثقفي من عيار خمسة نجوم وأغلبهم من المدن المركزية، ويتجاهل مثقفي المدن الهامشية الذين يعتبرون مجرد أرقام وأصوات لها وظيفة التصويت أيام المؤتمرات.. زمن تحاكم فيه السلطة الرابعة لمجرد الاقتراب من الخطوط الحمراء، وتدعو جهرا إلى عبادة عجل السامري ،والتيمن ببركة قارئة الفنجان. وتنادي في سوق عكاظ قائلة: من دخل دار الولاء فهو آمن.. فيا لها حقا من عبثية قد لا يقعقع لها بالشنان!..

 

بالأمس القريب كنا نرتق جبة أم الوزارات ونمطرها بوابل من السب والقدح عسانا نشفي غليلا ظل ردحا من الزمن بين المطرقة والسندان. نبكي حظا تآكل بفعل قانون ًكل ما من شأنه ولم نكن أبدا نعتقد أن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة وأكثر وقعا على النفس. وثبت للعيان أن المنجل هو المنجل رغم الترميمات المزيفة.. أيكون الأمر حقا يتعلق بتغيير العقليات لا بطلاء المظاهر الماكرة!.. هل يحق لنا أن نقول جهرا: يا حجاج ما أعدلك!

 

ألا يجدر بنا أن نحلم باستقلالية لا تسيجها نواميس مؤسساتية، وفي نفس الآن نعلن عشقنا لمبدأ التقدمية وكراهيتنا المطلقة لعبودية المؤسسة.. ألا يجدر بنــــــــا أن نحلم ونحلـــــــــــــم…!

بالأمس القريب عاش المغرب مهزلة الجمع بين وزارتين: الداخلية والإعلام؛ ولعل النحاة صدقوا حين أعلنوا: إذا التقى ساكنان فاكسر ما سبق.. لكن ما أشبه اليوم بالبارحة ما دام الصحافي يكتب والمسدسات الكاتمة الصوت تطارد فيه فضول البحث والتنقيب..! قد يخطئ المرء-وخير الخطاءين التوابون – وقد يزل القلم على بياض الورق. ما هم ما دام هؤلاء يعطون للحياة وللمجتمع المدني نكهة التقصي والحضور حتى لا تتفشى آفة الشطط.. ولا شك ثمة فرقا بين الباحث عن الحقيقة وشارب ماء الجبين؛ وبين من يطارد قطاع الطرق وبين من ينهب أموال المؤسسات العمومية!.. أما آن لنا أن نخجل من هذه الوضعية التي خلناها في خبر كان..!

 

ماذا عسانا نستطيع قوله لأجيال ستقرأ كف واقعنا واليد على القلب!.. بربكم ما الذي يجعل المثقف يلهث وراء لعبة الكرسي متنكرا لقدسية الكلمة التي خلق لها، وكأننا به نادم على حسن الاختيار.. ألا يجدر بنا أن نحلم بعودة الديمقراطية إلى سكتها الحقيقية.. والشفافية إلى الوجوه التي علمتنا الحب والمروءة والبراءة والإنسانية.. والاستقلالية إلى مؤسساتنا الثقافية التي علمتنا أن المثقف هو الذي يحمل أبدا هوية شعارها: المثقف مواطن العالمcosmopolite-؛ والحداثة مبدأ يمتد من الجذور إلى آخر صيحة تكنولوجية يعيشها عالمنا الصغير/الكبير..

 

ألا يجدر بنا أن نحلم بحب قد يخرج من حرب داحس والغبراء إلى آخر طلقة في لبنان والشيشان لأننا معشر المثقفين خرجنا من ًماغماً الحب بعد أن طلقنا سعير الكراهية.. ألا يجدر بنا أن نحلم باستقلالية لا تسيجها نواميس مؤسساتية، وفي نفس الآن نعلن عشقنا لمبدأ التقدمية وكراهيتنا المطلقة لعبودية المؤسسة.. ألا يجدر بنــــــــا أن نحلم ونحلـــــــــــــم…!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.