لماذا لا يمكن تطبيق الشريعة في الدولة المدنية الحديثة؟

من أكبر عوائق تطبيق الإسلام كنظام اجتماعي في الدولة العلمانية الحديثة، هو معضلة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية داخل قالب منظومة التشريع الغربية، أو منظومة القانون الفرنسي في الحالة المصرية، وتقنين الشريعة هنا يعني إعادة صياغة الأحكام الفقهية والموروث الاجتهادي بمفردات قانونية غربية، وإلزامها بما يلزم من طرق إعداد وإصدار تلك القوانين.

فالشريعة الإسلامية في جوهرها روحية تعبدية، تتجه تشريعاتها المادية لتنظيم المجتمع حتى يتسنى إقامة أوامر الدين، وتحقيق مقاصده للناس، وإصلاح أحوالهم في الدنيا والآخرة. لذلك فالشريعة لا تعرف الحدود، لا الحدود الجغرافية فقط، بل أيضًا الحدود بين الدنيا والآخرة.. ولأن مقاصد التشريع الغربي في جوهرها مادية بحتة، تبحث في تحقيق النفع المادي العاجل للمجتمع، ولا تهتم بحال الناس في الآخرة ــ بل إن استدعاء مفهوم الآخرة في حد ذاته عند مناقشة التشريع الغربي، قد يبعث على التندر والاستخفاف عند مناصريه؛ لذلك فهيمنة التشريع الغربي بمفرداته على الإسلامي من شأنه أن ينتج عنه معضلة كبيرة.

مما يمتاز به النموذج اللامركزي التشريعي الإسلامي، هو قربه من الناس، لوجود كل قاضٍ في دائرته أو بلدته أو قبيلته، يراعي طبائعهم وأعرافهم، ويحترم خصوصيات ثقافتهم.

فعملية التقنين للشريعة الواسعة داخل القالب الغربي ينشأ عنها اجتزاء أحكام إسلامية، واختزال الواسع منها، والخروج بها عن مقاصدها الجوهرية لكي تتوافق مع مفاهيم بنية الدولة الغربية الحديثة، فتنشأ على إثر ذلك أحكامًا مشوهة، لا هي إسلامية نقية، ولا هي غربية تمامًا. ثم يأتي من بعد ذلك انتقاد تلك التشريعات الإسلامية اسمًا، من باب انتقاد تحكيم الشريعة، وربط عوار تلك القوانين بدعوى قصور الشريعة عن مواكبة العصر، ومن ثم نزع ما تبقى من فتات الشريعة المستبقية للهوية، بأسباب تبدو عملية ومنطقية.

وأحد أهم عوامل الاختلاف الأخرى بين الشريعتين، هو اختلاف نموذج السلطة التشريعية بين النظام الغربي والإسلامي. فنموذج السلطة التشريعية في الدولة العلمانية الحديثة، يتسم ـ كأغلب نماذج مؤسسات الدولة ـ بمركزية المصدر لتحقيق مفهوم "سيادة" الدولة، فالقوانين التي يحتكم إليها الناس ويتأثر بها المجتمع يصدرها البرلمان الذي يتكون من بضعة أفراد، سواء كانوا عشرات أو بضع مئات، يسهل التأثير عليهم ممن له سلطة الاستبداد في الدولة، سواء كان ديكتاتورًا عسكريًا أو حاكمًا طائفيًا أو مؤسسات اقتصادية كبرى، كلّ دولة حسب نموذجها الاستبدادي العلني أو الخفي.. بينما نموذج التشريع والقضاء الذي كان يعيش في كنفه المسلمون على مر مئات السنين، كان ممثلًا في المحاكم الشرعية، والتي يكون القاضي فيها فقيهًا شرعيًا بالدرجة الأولى، ويحكم في الأغلب الأعم بناءً على التراث الفقهي الموروث، وبناءً على اجتهاداته الشرعية في الاستنباط حسب كل حالة أمامه.

تلك الحالة من اللامركزية في التشريع وقوانين الفصل بين الناس، كانت عصيّة بطبيعتها على التأثر بالفساد التشريعي على مستوى التفاصيل التشريعية، وكان فساد قاضٍ معين، لا يؤثر على المجتمع ككل، بل يظل المجتمع محافظًا على اتجاهه واخلاقه، فيظهر فيه بسهولة من يشذ من القضاة برأي جائر. وذلك بالإضافة إلى أن اشتغال كل قاضٍ شرعي بالاجتهاد والاستنباط لما يُعرض عليه من مسائل، من شأنه أن يجعل عجلة الاجتهاد الفقهي والتجديد التشريعي الإسلامي مستمرة، تواكب العصر ومستجداته أولًا بأول ولا تتوقف، إذ يواجه القضاة الفقهاء مستحدثات جديدة تُعرض أمامهم، ويُطلب منهم أن يحكموا فيها بين الناس، فيُلزمهم هذا الأمر بالاجتهاد والتجديد، وإبقاء الشريعة نضرة تؤتي ثمارها بين الناس.

معضلة تطبيق الشريعة في الواقع المعاصر هي أعمق من مجرد تسلط حكام إقليميين مستبدين على بلادنا يمنعون وصول من يطبقها، بل تكمن المشكلة في تبني أفكار شمولية لتعمل من داخلها الشريعة.

ومما يمتاز به النموذج اللامركزي التشريعي الإسلامي، هو قربه من الناس، لوجود كل قاضٍ في دائرته أو بلدته أو قبيلته، يراعي طبائعهم وأعرافهم، ويحترم خصوصيات ثقافتهم، فيفتي لهم بقواعد الشريعة حسب ما يحقق بينهم مقاصدها، وليس حسب ما اختارته نخبة تشريعية بعيدة تمامًا عن تلك الدائرة المجتمعية، تصدر قانونًا ذا أثر اجتماعي فيُطبق على كل الشعب باختلاف عاداته وثقافته، في جو يتم فيه "تنميط" الإنسان بنزع خصوصياته عنه.

وفي النموذج الإسلامي أيضًا مرونة أحكامه حسب تغير الظروف بما يتماشى مع الشرع، وحسبما يتراءى للقاضي من أن حكمًا سابقًا قد نتج عنه العنت والتضييق على الناس، فيتغير بسهولة وسرعة ليحقق مصالحهم، بدلًا من أن ينتظر الناس نواب البرلمان لسنوات طويلة لتغيير قوانين أثبتت بما لا يدع مجالًا للشك تعنتها وعدم تحقيقها لمصالحهم ومتطلبات حياتهم.

وفي النهاية، فمعضلة تطبيق الشريعة في الواقع المعاصر هي أعمق من مجرد تسلط حكام إقليميين مستبدين على بلادنا يمنعون وصول من يطبقها، بل تكمن المشكلة في تبني أفكار شمولية لتعمل من داخلها الشريعة حتى من أنصار تطبيق الشريعة أنفسهم! … وبالرغم من أن الله عز وجل أخبرنا (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)، ومن ثم فلا حرج على المسلمين أن يستخدموا حلولًا وقوانين من أمم أخرى لمشاكل معاصرة يشترك فيها البشر؛ إلا أن هذا الاستخدام المحدد المنضبط يختلف تمامًا عن تبني مفاهيم شاملة كمنهج للمجتمع نعيش من خلالها، ويعيش تحتها الإسلام بمصطلحاتها وتحت شروطها التي تختفي فيها مقاصد تحقيق التقوى. وإن أغلب انحرافات الجماعات الإسلامية العاملة في السياسية تأتي من باب هذا الخلط بين الاستخدام والتبني، ومن الفصل بين (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)، و(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).



حول هذه القصة

وافق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة على إرسال بعثة تقصي حقائق للتحقيق في مزاعم واسعة النطاق؛ بتعرض أبناء أقلية الروهينغا المسلمة للقتل والاغتصاب والتعذيب على يد قوات الأمن بميانمار.

24/3/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة