الشيخ أحمد ياسين

مدونات، أحمد ياسين

تمتلئ صفحات الجهاد ضد الكيان الصهيوني بالكثير من الشهداء الأبرار الذين قدموا حياتهم و دمائهم وبذلوا الغالي والنفيس فداءاً للأرض ودفاعاً عن فلسطين العروبة والإسلام وجعلوا الغاصب المحتل يتيقن أن لا بقاء له على هذه الأرض دون ثمن وأن الحق لا بد له أن يعود يوماً لأصحابه طال الوقت أم قصر، وأحدهم بل في طليعتهم من تحل الذكرى الثالثة عشر لاستشهاده إنه الشيخ المؤسس والمجاهد المخلص "أحمد ياسين".

"إننا طلاب شهادة لسنا نحرص على هذه الحياة، هذه الحياة تافهة رخيصة، نحن نسعى إلى الحياة الأبدية" تلك الكلمات نطق بها الشيخ الشهيد "أحمد ياسين" مؤسس حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في أخر مقابلة تلفزيونية أجريت معه وبدت وكأنها دستوراً عاش حياته كلها مؤمناً به حريصاً على تنفيذه والوفاء له.

وفي فجر يوم الاثنين 22 مارس 2004م وعقب خروجه من مسجد المجمع القريب من منزله في حي الصبرة بقطاع غزة وفي عملية أشرف عليها رئيس وزراء الكيان الصهيوني آنذاك "أرييل شارون" بنفسه استهدفته مروحية صهيونية بثلاثة صواريخ، استشهد الشيخ في لحظتها، واستشهد معه سبعة من مرافقيه، وقد تناثرت أجزاء الكرسي المتحرك الذي كان يتنقل عليه "الياسين" في أرجاء مكان الاستهداف الذي امتلأ بدمائه الزكية ودماء مرافقيه فنال الشيخ أمنيته الغالية في الحياة، وهي الشهادة، بعد سنوات طويلة في الجهاد والنضال والدفاع عن فلسطين والقدس والأقصى.

قالوا عنه الشيخ القعيد فأقام على الأصحاء الحجة وكان سباقاً متقدماً الصفوف في العلم والعمل والجهاد

كان رحمه الله مدرسةً في التسامح ونبل الأخلاق حيث أخفى سر الحادثة التي أبقته حبيس الشلل منذ أن كان في السادسة عشر من عمره وحتى آخر لحظات حياته اأخفاها 50 عاماً ويزيد وكلما سئل عنها قال "كنت أمارس الرياضة ليس إلا"، رغم أن المتسبب بالحادثة أحد أقرباءه دون قصد لكنه اخفى هذا حتى لا تحدث قطيعة بين الأهل، أي نبل وأي وعي وأي بصيرة لفتى لم يتجاوز السادسة عشر لكنه ليس أي فتى إنه الياسين.

وأدرك الشيخ مبكراً قيمة العلم فرغم تعرضه إلى شلل شبه كامل في جسده تطور لاحقاً إلى شلل كامل إلا أنه لم يثنه عن مواصلة تعليمه فارتحل لطلب العلوم الإسلامية، حيث درس في جامعة الأزهر في القاهرة، وصولاً إلى العمل مدرساً للغة العربية والتربية الإسلامية في مدارس وكالة الغوث بقطاع غزة. كان رحمه الله عروبياً معتزاً بإسلامه شارك وهو في العشرين من عمره في المظاهرات التي جابت غزة رفضاً للعدوان الثلاثي على مصر عام 1956م فكان خطيباً مفوهاً ألهب حماس الجماهير وارتفع صوته مع رفاقه مندداً بالعدوان رافضاً الإشراف الدولي على القطاع منادياً بعودته تحت الإدارة المصرية.

كان الشيخ "ياسين" داعياً إسلامياً ومتحدثاً بارعاً وخطيباً مفوهاً، فكان يمارس الدّعوة في محيط عمله -المدرسة التي كان يعمل بها-، فكان يتأخّر ببعض الطلاب بُعيد انقضاء الدراسة، يعلّمهم الصلاة والآداب، وتلاوة القرآن وكان مجاهداً صلباً ذا رؤية وبصيرة ثاقبة أدرك أن لا سبيل لتحرير الأرض إلا بالجهاد ضد المحتل فأسس ومجموعة من قادة العمل الإسلامي حركة المقاومة الإسلامية حماس لتنطلق مسيرتها المباركة عام 1987م متزامنةً مع انتفاضة المساجد فوضع حجر الأساس لحركة مقاومة أقضت مضاجع المحتل واذاقته مرارة الهزيمة والحسرة المرة تلو الأخرى.

رحل ولاتزال تفوح في الأرجاء رائحة كلماته العطرة والتي تنادي بالوحدة بين أطياف الشعب الفلسطيني في وجه الغاصب المحتل والتي هم في أمس الحاجة إليها الآن

ورغم مرارة الاعتقال والتي عاناها الشيخ مرات عديدة وفي ظروف قاسية لا يتحملها الكثير من البشر الأصحاء فقد رفض ذات مرة عرضاً صهيونياً بإطلاق سراحه مقابل الكشف عن جثة الجندي الصهيوني "إيلان سعدون" والذي تم أسره وقتله ولم يعرف مكان دفن جثته وزاد قائلاً للضابط الصهيوني المشرف على اعتقاله: أنت تعرف مدى قسوة شروط أسري واشتياقي للحرية ولا يوجد أحد في العالم مطلع على الحقيقة مثلك، وتعرف حجم أشواقي إلى أحفادي ومحبتي لهم، وحلمي بشم رائحتهم ولكن الاقتراح بمبادلتي بجثمان مهين ومرفوض في تجسيد حي لمعنى الكرامة والإباء وعزة النفس.

قالوا عنه الشيخ القعيد فأقام على الأصحاء الحجة وكان سباقاً متقدماً الصفوف في العلم والعمل والجهاد، أبهر العدو قبل الصديق بفكره السليم، وبصيرته الثاقبة وعقله المنير وعزيمته المنقطعة النظير. رحل الشيخ وترك خلفه جيشاً أرهب المحتل وهزم أسطورة جيشه وأذله بغزة المرة تلو المرة، رحل ولاتزال تفوح في الأرجاء رائحة كلماته العطرة والتي تنادي بالوحدة بين أطياف الشعب الفلسطيني في وجه الغاصب المحتل والتي هم في أمس الحاجة إليها الآن:
هي الأوطان نحميها بسـيف ولا عزَ لـها دون اتفاق
توحَــد صفنـا أبـداً بعزم ولا صف يوجد بالشقاق

نم قرير العين أيها المجاهد الشهم والبطل الأشم فلا كلمات توفيك حقك لله درك فقد بنيت فأحسنت البناء وناديت فلبى المخلصون النداء واليوم يقطف الشعب الفلسطيني بل الأمة الإسلامية كلها ثمرة غرسك الطاهر رجال أشداء على عدوهم لا يخشون في الحق لومة لائم.