استراتيجيات التشاؤم وصناعة العذر

blogs - man alone

بِودّي أن أكتبَ وأنا سعيدٌ جدّاً بإنجازٍ لأمتي وجنسي الذي أنا منه، وأمنيتي أن أعيشَ حتى أسطِّر بالحرف تحقيقاً لأحلامنا الجماعية والمجتمعية والأمَمية، ولي أملٌ أن يحدثُ من الأحداث ما يستدعي خروجاً عن نسقِ الكتابة المألوفة عندَ السّرور والسعادة والفرَح، وكمْ راوَدَني حُلمٌ أن أُعاصرَ عصراً من ازدهار الأداء والإنتاج العربي والإسلامي مثلَ الذي أهربُ إليه في المراجع القديمة لأخفّف من حدّة المآسي التي تُصيبُ قلبي وأنا أسمعُ وأرى وأشُم..

 

تأخُذُ العمليّة التّشاؤميّة من وقتي الكثير باستراتيجيّة واثقة وواضحة وتُسقِطُ القلمَ من يدي وتسرِقُ البسمة من شفتي وتستأصلُ كلّ أعضائي دونَ رضايَ ودون طلبِ توقيعي ولا تُبالي بحالتي النّفسيّة ولا تختارُ وقتاً أكونُ فيه قريباً من اليأس بل تقتنصُ فُرصَ الرّضا وأحايين الابتهاج لتنقَضّ على مستودعات الطّموح ومخازن المجاهدة وتقصفها بوابلٍ من رَصَاصات القنوط..

 

رَاضٍ أنا ولله الحمد بقضاء الله وقدره ومؤمن بأنّ الله تعالى هو صاحب التدبير والتصريف لأمور الكون ومَن عليه كاملة، ولستُ أتعرّضُ لهذه الإشعاعات النوويّة من الأحاسيس العامّة التي تربطني بخيوط الإنسانية إلا لأنّي أجزمُ مثل غيري بأنّ الإمكانيّات أعظم والمُقدَّرات أكبر والقُدرات موجودة بل وتكادُ لا يُعثَرُ عليها إلا في بيئتنا العربية والإسلامية التي تُصدّر للخارج عقولاً من أَلماس..

 

ما هوَ المسوِّغُ الذي يحرمُنا من تصنيعِ الأمصال الواقية من الأمراض في أوطاننا بموادّ من أراضينا وعقول أبنائنا وتركيب مصانعنا وتغليف بلاستيكيّ فاخر مستخرجةٌ موادُّهُ الأوليّة من نفطنا وغازِنا وحقولنا؟

يبلغُ التّشاؤم بالإنسان درجةً يرى فيها كلّ خبرٍ بأنّه كذب أو تزييف أو خداع، ويسمعُ فيها كلّ لحنٍ كأنّه عواءَ ذئبٍ أو نهيقَ حمارٍ، ويلمَسُ فيها أيّ حريرٍ يُخَيّلُ إليه من تشاؤمه بأنّه أخشنُ من جلدِ ضبٍّ أو شوكيّات قُنْفذ، ويشمّ وهو في أعلى تلك الدّرجة روائحَ العود جيفةَ أطيار وعبَقَ الياسمين ترجيعَ مَبْطون، ولابدّ أن يجدَ صاحبُ الفمِ المرير مُرّاً وعلقماً في الماءِ الزُّلال والسلسبيل القراح..

 

أتساءَلُ بيني وأُذُني متى يحينُ وقتٌ أفخرُ فيه بأنّ الحيّ الذي أسكنه حقّقَ اكتفاءً ذاتيّاً من أخلاقيات الجِوار، وأنّ الجهة التي أنا منها في هذا العالم الفسيح ترفلُ في تصنيفٍ عالٍ وأوّلي على مستوى الكرة الأرضية في مجال التعليم الأكاديمي، وأنّ أخي المسلم الذي يعيشُ في "بورندي" لا يشعرُ بالفرق بينَه وأخيه المسلم الذي يسكنُ في مكّة المكرّمة سوى في التفضيل الدّيني والإلهي بين الأماكن، وأنّ منظمة المؤتمر الإسلامي أصبحَ لها أذرعٌ ومؤسّسات تُعني بكلّ مصالح المسلمين الحياتية والصحيّة والاقتصادية والسياسية ولا تنتظر عطفاً معلوماتياً من منظمة الصحة العالمية..

 

يتفطّرُ قلبي ألماً وأنا انتظر بفارغ الصّبر أن تصلَ اليمنُ لكأس العالم وتحصدَ البحرين مونديالَ الكرة وتهزِمَ تُركيا البرازيل في نهائي القارات وتكونَ الرياضية العربيّة رافداً مالياً يدعم الأنشطة الاجتماعية في بلداننا ويُحارب الفقر والأمية ويُفتّتُ مفهومَ الإرهاب ويأخذُ بالرّياضيّين والرّياضيّات لعُمقِ الحكمة التي نحفظها من مدارسنا الابتدائية "العقل السليم في الجسم السليم"..

 

ما هوَ المسوِّغُ الذي يحرمُنا من تصنيعِ الأمصال الواقية من الأمراض في أوطاننا بموادّ من أراضينا وعقول أبنائنا وتركيب مصانعنا وتغليف بلاستيكيّ فاخر مستخرجةٌ موادُّهُ الأوليّة من نفطنا وغازِنا وحقولنا؟ وما هي العقَبة التي تقفُ أمامَ قلوبنا لتكونَ حيّة الشّعور عالية الإحساس بادية التأثير وهي تتعامل مع قلوبٍ مثلها في الدّين والوطن واللغة والمصير؟ وما لنا إذا قيلَ لنا سيروا في الأرض واسعوا في مناكبها واعملوا صالحاً وكلوا واشربوا ولا تسرفوا وأقسطوا واعدلوا ولا تفسدوا في الأرض بعدَ إصلاحها وزنوا بالقسطاس المستقيم واعبدوا ربكم ولا تَطْغَوا ولا تهِنوا ولا تَحزَنوا واتّقوا الله اثّاقَلْنا إلى المَسكنَة ولَطْمِ الخدود؟

 

إنْ كانت الدّولة الغاصبة "إسرائيل" استطاعَتْ أن تؤمّنَ لنفسها بيئة اقتصاديّة وصناعيّة وعسكريّة متينة رغم القلاقل والحروب والاغتصاب، وبلغَت بعملها غير المشروع مصافّ دولٌ كُبرى بخداعها وغشّها وتآمر العصابات الدولية معها مستخدمةً سيفَ "الهلوكوست" ورُمحَ "شعب الله المختار" فنحنُ بإسلامنا وديننا الحقّ شعبُ الله تعالى الذي رضيَ لهُ الإسلام ديناً وجعلَنا خيرَ أمّةٍ أخرجت للناس، ولمّا استفحلَ فينا داءُ الإهمال والتّقاعس ضاعتْ منّا مفاتيح التّوفيق..

 

لم يتبقّ من الزمَن ولا من الفُسحة العمريّة للعالم كي تُراقَ الجهود والطّموحات والأعمال والثّقافات العربيّة والإسلاميّة في حاويات الفنّ والسطحيّات والرّقص ومسابقات الاتصال المدفوع وخلافات الحدود والبرامج المُضادّة لتقارير حقوق الإنسان العالميّة ودفع ضريبة أزمة اقتصاديّة لسنا السبب فيها، وإنما المسموحُ به من الوقت مُعدٌّ في الأصل للتنفيذ، لأنّ الخطة الربّانية جاهزة والأهداف الإلهيّة مُصاغة منذُ أن نزَلَ الوحي والمطلوبُ معروف بَيَّنٌ واضحٌ لا لَبْسَ فيه..

 

مزيدٌ من التشاؤم تُنادي به الأيام والشهور التي تمرّ على حلّ كلّ مشكلة سياسيّة في لبنان مثلاً، وتدهور الاقتصاد العربي رغم ارتفاع أسعار النفط، وزيادة الواردات من الصناعات الغربية والعالميّة وفي أوطاننا من يحملُ الماجستير ولم يحد وظيفة تعفّه عن تجارة الأوهام

يا حُرقَةَ خاطري على ما تعوّدنا عليه من وجود اسم عربيّ لدولة عربيّة في كلّ قوائم السّوء العالمي، فلا تخلو قائمة مستحدثةٌ في الغرب من تواجدنا باستحقاق وأسبقيّة وجدارة، فإن كانَ التّصنيف "بالأكثر" فنحنُ موجودون في قوائم الدول الأكثر فقراً والأكثر جهلاً والأكثر عُنفاً والأكثر بطالةً والأكثر مرضاً والأكثر تخلّفا والأكثر حرارةً والأكثر طلاقاً، وإن كان التّصنيف "بالأقل" فنحنُ موجودون في قوائم الدول الأقلّ نموّاً والأقلّ إنتاجاً والأقلّ عملاً والأقلّ فوزاً والأقلّ استقراراً والأقلّ اختراعاً والأقلّ صناعةً والأقلّ استخداماً للتقنية والأقل سعادةً، ونحنُ موجودون في قوائم تُصنّفنا بأنّ بعضنا أعداءٌ لحقوق الإنسان وشفافيّة الإعلام ومساواة الرّجل بالمرأة والديمقراطيّة وحرّية الأديان، فمَن نحنُ إذاً..

 

ربّما أكون في الجهة الخاطئة من هذا العالم وفي الجهة الغلَط من التفكير وفي الجهة المحظورة من النّظريات لكنّني بالتأكيد لستُ في القبرِ وأتحدّثُ منه ولستُ من عصرٍ غير عصر من يقرأ ما أكتبه والتّشاؤم بلَغَ مني مبلغاً يجعلني أرى من نجاحِ أبنائنا في جامعات "كليفورنيا" وتقدّم بناتنا في معاهد "مونتريال" فُقاعة صابونٍ عندما يراها من يغسلُ يديه يظنّ بأنّه قد قضى على كلّ الأوساخ والجراثيم وما هيَ إلا أثرٌ بعدَ عَيْن..

 

ومزيدٌ من التشاؤم تُنادي به الأيام والشهور التي تمرّ على حلّ كلّ مشكلة سياسيّة في لبنان مثلاً، وتدهور الاقتصاد العربي رغم ارتفاع أسعار النفط، وزيادة الواردات من الصناعات الغربية والعالميّة وفي أوطاننا من يحملُ الماجستير ولم يحد وظيفة تعفّه عن تجارة الأوهام، وتشجيع السياحة الداخلية ببرامج تُصرف عليها أموالٌ طائلة رغمَ عدم وجود أساسيّات بنية تحتيّة تجذب السُّياح، وانفجارات في العراق وحصارٌ في غزة ودماءٌ في الصومال ومَوْتٌ في الشيشان واعتداءٌ على المقدسات بفلسطين، وفقرٌ في ثلثي العالم العربي وثلاثة أرباع العالم الإسلامي، وجدَلٌ عقيمٌ في برلماناتنا ومجالسنا، وبعدَ كلّ هذا لا أتشاءَم.