هذا الجيل الذي لم تعرفوه!

مدونات ثورات الربيع العربي
تسألني أمي في صباح الذكرى العشرين لميلادي: ماذا أعددت لما بعد ذلك يا بني؟ أنت مقبل على حياة كالحرب ودنيا طاحنة لن تجد فيها من معالم الرحمة أي شيء. أتساءل في نفسي: هل لا زالت أمي لا تعي أننا جيل يختلف شكلا ومضمونا عن سابقيه؟ لماذا لا تعي أمي أننا جيل مثقل بهموم الحياة وويلاتها أكثر من كل الأجيال التي سبقتنا إلى معترك الدنيا؟


نحن الذين تعاقبت بهم الدنيا ولم يعقبوها، أردتنا مهزومين كثيرا في معارك نشبت بيننا وبينها على مدار عقدين وزيادة قضيناها، ولا زلنا في خضم المعركة، والعبرة بالخواتيم كما يقولون. عشرون ربيعا من عمرنا في ظل انفتاح فكري وصل حد الذروة كانت أشبه بقرن فيما سواها، أحداث سريعة وتفاصيل أكثر في عالم أصبح يخطو بثبات نحو حرب لا تُبقي ولا تَذَرْ من الأخضر واليابس، كانت لنا ككابوس مظلم على طفولتنا، تلك التي انعدمت فيها كل مظاهر الطفولة.

أنا لا أكتب اليوم يا أمي لأبين للعالم أننا الجيل المهم أو الأهم في مجتمع العروبة وغيره، لكنني أكتب الآن لأروى للجميع قصة الجيل الذى سرقته الدنيا وغيبته تفاصيلها عن كل المشاهد فبات مطموسا بين باقي الأجيال

عشرون ربيعا قضيناها وكأنها في عمر الزمان أكثر من ذلك بأضعاف، هل أتاك حديث ذلك الجيل الذى نشأ في زخم فكري لا تنطفئ ناره ولا تهدأ حربه؟ ذلكم الجيل الذى رأى بعيون الطفل ثورات تقوم في أم الدنيا وجاراتها وثروات تنهب وتضيع، جيل نشأ في زحمة من الدنيا وكدر من الحياة وتتابع أحداثها بشكل مروع عكس الأجيال القديمة، تلك التي رأت الدنيا عندما كانت هدوءاً في هدوء.

ما زالت أمي وغيرها تعتبر كل ما خضناه في معترك الحياة بداية لما هو آت، وهل بعد كل ما رأيناه في دنيانا آتٍ آخر يا أمي؟ العشرون في زماننا يا أمي تعدل ستين في عهدكم وزيادة؛ فتناحر الناس وتنوع مطامعهم واندلاع الحرب في العقل والفكر بدلا من الأرض ومواردها لم يكن كذلك في عهدكم، فبأي حق تنكرون علينا أننا بتنا بقلوب شابت واعتراها العجز وما وطئ الزمان فيها إلا قليلاً. 

يا أمي إن كنتم قد عشتم عصر هدوء يسبقنا وعاصرتم عصرنا، ذاك المدجج بقوة السلاح وتنازع الأهواء؛ فنحن لم نرى إلا عصرا واحدا اسمه عصر العولمة، تقاذفتنا فيه الدنيا وألقت بنا الأقدار يمنة ويسرة وكأنها لا تستهوي في عذابها غيرنا فترمى عليه بلاءها. يا أمي من يبلغ منا الأربعين فلعله يصير شيخا هرما قبل أن يصل إلى مدارج الشيخوخة الفعلية؛ ذلك لأن قلوب جيلنا ماتت أكثر من مرة من تدافع الألم عليها قبل أن تكون هاهنا.

أنا لا أكتب اليوم يا أمي لأبين للعالم أننا الجيل المهم أو الأهم في مجتمع العروبة وغيره، لكنني أكتب الآن لأروى للجميع قصة الجيل الذى سرقته الدنيا وغيبته تفاصيلها عن كل المشاهد فبات مطموسا بين باقي الأجيال، لا يعرف إلا آلام التجاهل ولا يدري سوى بمساوئ الحرمان؛ لذا يا أمي كوني بصيرة بحالنا ودعينا نحن نروي لكِ مآسي الحياة!