شعار قسم مدونات

لمن نوجّه تلك الصّور المدماة؟

blogs - aleppo
بم تختلف مجزرة حماه 1982 عن مجازر حلب 2016 سوى بضع وثلاثون سنة وقوائم أسماء؟ يقال إن الكاميرات التي تتجوّل بين الأشلاء كانت لتفعل شيئاً فيما لو وجدت في ثمانينيّات "حماه"، انهمكت الكاميرات تلتقط ما سنح لها في أنحاء حلب بعد كل صاروخٍ أعمل شظاياه فيها دون أن تغيّر في الواقع شيئاً. الصورة ذاتها، والألم ذاته… لكن سذاجة أحلام الماضي كانت مختلفة.


انقسم أتباع الصّور إلى قسمين: قسمٌ كان غرضه توثيقيّ للأجيال التي ستقرأ حاضرنا على أنّه تاريخها! وقسمٌ كان يأمل أن لو انتشرت تلك الصور، إذ لا شك أنّها ستوصل الظّالم وأعوانه إلى المحاكم الدولية، تلك المحاكم التي لا تزال تتابع هرطقاتها، إذ لا تعدو أن تكون مهدئاً للأعصاب الثائرة، فقد تستجب أو لا تستجيب! 

يكفي أن يؤمن أحدنا بفكرة ويعمل عليها لتتابع أحجار الدومينو عملها، وكما أن الحزن معدٍ والسعادة معدية فالعمل كذلك، معظم التغيرات في العالم آمن بها فرد وعملت عليها مجموعته لتشكل منحنىً تاريخيا يصعب تجاهله.

جنود الصّورة تلك ليسوا صحفيين اعتياديين ألِفوا تنميق موادهم كي تغدو أقرب لذهن المتلقّي وأجندات مؤسّساتهم، إنما هم مراسلون وضعوا أرواحهم خلف عدسة الكاميرا ليرصدوا صورةً واضحةً رغم فوضى ما حولها، وربما رافقَها حديثٌ متلعثمٌ يحكي بارتجاجه القصة كاملة. هؤلاء المحاربون يأملون أن تصل أصواتهم إلى من بيده سدّة القرار، لم أقصد هنا المنظمات المرموقة بشعارات الإنسانية، إذ لا تعدو تلك أن تكون نظاماً عربياً بصلاحيات أكبر، ديدنهم بذلك مصلحتهم ولا شيء أكثر، متخفّين باسم الإنسانية، أكاد أجزم أن ارتفاع قيمة الدولار وانخفاضه سنتاً واحداً أكثر أهمّيّة لديهم من آلاف القتلى البادين في تلك الصور!

صوتنا ليس إليهم، أدركت ذلك لحظة ودّعتُ مستشارة حقوقية منذ بضع سنوات جاءت لتدوّن مآسينا، رمقتني بنظرةٍ حانية وكلمة "شكراً" بعربيّة رطنة، وبادلتها نظرةً لم أدرِ كنهها أهي الشّفقة أم أنّها شيء آخر لا أرغب أن أشوّه إنسانيتّي به؟ أرسلتْ لي تقريرها بعد أيام، لاحت بخاطري مشاريع التخرج المرصوفة بين سجلات الجامعة، لكن ذاك التقرير كان في منظمتها "العالمية"!

أصواتنا، رسائلنا، صورنا، ليست إليكم وإن وصلتكم، صورنا لمن يملك سدة القرار ولستم من يملكه، تلك التي دفعنا ثمنها دماء، نوجهها إلينا نحن أنا وأنتَ وأنتِ، كلّ منا يستطيع أن يفعل شيئاً أو بلغة أبلغ كلّ منّا يستطيع أن يغيّر منحى التاريخ. إنّنا لا نخشى مما لا نستطيع بالقدر الذي نخشى فيه مما نستطيعه، فليعد كلّ منا إلى تلك الصور وليتأمّلها جيداً، صورٌ رماديّةٌ قطَعت أوصالها خيوط دماء، هي رسالة إليه شخصياً، فليفكّر كل منّا كيف يمكنه أن يخفف من عبء ذلك الواقع، ولندع لوم الآخرين جانباً، لو أنّ كل منّا التزم مسؤوليّته لما حدث ما يحدث.

يكفي أن يؤمن أحدنا بفكرة ويعمل عليها لتتابع أحجار الدومينو عملها، وكما أن الحزن معدٍ والسعادة معدية فالعمل كذلك، معظم التغيرات في العالم آمن بها فرد وعملت عليها مجموعته لتشكل منحنىً تاريخيا يصعب تجاهله، كما صعُب على ذلك الفرد الأول تجاهل مسؤوليته.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.