الحلم الأميركي ومسرحية المنع

blogs - ترمب في مكتبه
بعدما صادروا حقهم في الحياة، وفي الدفاع عن أراضيهم، واستغلال ثرواتهم، يستمر مسلسل الاضطهاد، وبكل عنصرية مقيتة، صاح ترامب "أنتم دون سواكم، غير مرحب بكم".. فصول المنع ستتلوها مشاهد أخرى من تضييق الحريات على العرب، وما يقض المضاجع سيغدو حقيقة عما قريب، قد يبدأ مسلسل الترحيل، وسط صمت مطبق أو بالأحرى حراك محتشم.

المهم، أطل بحضرته المهيبة، وقصة شعر مستفزة، وفم يلوك دونما توقف قرار العار الأميركي، ممضيا بذلك على سقوط أطروحة الحلم الأميركي، وديموقراطية الولايات، وضاربا بعرض الحائط تاريخا لبلد كتبه المهاجرون.. المنع شمل ست دول إسلامية، والمحرك الأول للمنع جاء كرادع للإرهاب كما يسوقون، لكن الإشكالية الكبرى والخطر الحقيقي ماذا بوسعهم أن يفعلوا لمواجهة الجريمة المنظمة وعنف أجهزة الأمن وحالة الاحتقان الداخلي الذي يغمر النسيج الاجتماعي المتهالك.

تلقيت الرسالة كباقي العرب والمسلمين ببعض التجاهل، لكن لا يمكن أن أتناسى حجم الضرر الذي لحق بهذه الأمة التي أعلنوا ضدها الحرب تلو الأخرى، وصاغوا ضدها هذا القرار العنصري المشين لكي تكتمل مشاهد الظلم، الذي كان مغلفا ببعض المشاهد الهوليودية من قبيل صداقة الشعوب، ومحاربة الإرهاب.. ويحكى أن القرار استثنى العراق، وآن لها أن تستثنى، فهي الدجاجة التي تبيض ذهبا، والمنفعة أجدى من مفسدة الإرهاب،

أخبروا أولادكم  يوما أنه جاء زمان تفتح الحدود لكل لاجئي الدنيا، ويقفل في وجه ذويهم، واعلموا أن من أخرج الناس وأحرقهم بالموصل، والرقة، والفلوجة، لن يقدم لهم البرغر والكولا على أعتاب نيويورك.

صناعة القرار صاحبه زخم ومحاولة لإنتاج وعي مشترك أميركي بخطورة المكون العربي في النسيج الاجتماعي الأميركي، الخطير في هذا أن مقدمات الخطوة كانت حاضرة بقوة في برنامج الجمهوريين الانتخابي، والمشروع مضى دونما توقف في نسف كل ما يمكن أن يشكل شبه مكسب مع الإدارة السابقة، بالانحياز السافر لسياسة الاستيطان، و اختزال معركة الشعب السوري في خلق مناطق عازلة، بل مضى المشروع في الرجوع إلى الساحة العراقية بالتدخل المباشر في العراق وسوريا، في هذا نستشف أن قرار منع الست من دخول الولايات المتحدة الأميركية هو إرضاء لعرابي الفيلم الانتخابي الذين تحركهم نزعات عنصرية لكل ما يمت للعرب والإسلام بصلة.

درس أميركا اليوم جاء واقعيا، ليدحض كل محاولات تسويق وهم البلد النموذج في احترام المواثيق الإنسانية وحقوق الأقليات، وإقرار صريح بالنزعات العنصرية التي تتملك البيت الأبيض في التعامل مع الملفات السمراء، والقضايا العربية، وكذلك علم: "القرار ملزم ولو اقتدى الحال عدم دستوريته".. في الضفة الأخرى، هل سيكون التخاطب بالمثل، هل ستتحرك دواوين السفارات وتعلن زعلها، بالكاد تذمرها فبالأحرى تعجبها أو استفهامها من هذا التحامل ضد شعوبها.

أ وَ يعقل أن يبخس الدم العربي والمواطن العربي، إلى هذا المقدار الوضيع، فالله الله في بلادكم، والله الله في أولادكم، أخبروهم يوما أنه جاء زمان تفتح الحدود لكل لاجئي الدنيا، ويقفل في وجه ذويهم، سلوا الكرامة في أعينهم، ولا تبتغوا فضلا ممن أذلوكم، واعلموا أن من أخرج الناس وأحرقهم بالموصل، والرقة، والفلوجة، لن يقدم لهم البرغر والكولا على أعتاب نيويورك.

فارفقوا ببعضكم، ولتتعايشوا مع اختلافاتكم واتركوا وثنيانكم، وقاوموا هذا الانحدار الفكري، فالغرب لا يرى فيكم إلا أسواقا جديدة وبؤرا دائمة الاشتعال، وعقود إعمار تسيل اللعاب… أما أنا، فستحتفظ ذاكرتي بهذا القدر من الوضوح في السياسة الأميركية، فالفعل متناسق مع ما سبقه ومع ما سيتلوه.