شعار قسم مدونات

صدفة.. تنكأ جرحاً

مشردون
"شكلهم مش من البلد دول" ثم أتُّبِعت تلك الجملة بصوتٍ خافتٍ لنقاشٍ يدور بين امرأتين لا يتبين تفاصيله إلا مدققٌ يجلس بالجوار، ثم عاد نفس الصوت بجملة جهورية "انتو من البلد يابنتي انتي وهوا؟". أصابت الجملتان السابقتان مسمعي بينما كنت أجلس في حجرتي التي تطل على أحد الشوارع العامرة بالأصوات المختلفة في بلدتنا، أطفال يلعبون، ورجال يتحدثون أثناء مرورهم، وأصوات أخرى خافتة تجتمع لتُكوٌّن صوتاً لا تستطيع أن تميزه، لكن تلحظ أثر غيابه في حالة انقطاع التيار الكهربائي.

لكن المختلف في تلكما الجملتين عن غيرهما أنهما صدرتا من فم جارتنا "مسعودة" التي تجلس أمام مدخل بيتها طوال اليوم مع بنتها؛ لترصدا بعينيهما كل ما يدور في الشارع، تستطيع أن تقول أنهما يعملان كمخابراتٍ سرية في شارعنا! فلا يكاد يمر عليهما شيء إلا وعرفتا تفاصيله كلها. فتحت نافذة غرفتي لأتبين ما رأته فجعلها تتلفظ بهاتين الجملتين في اندهاش، فإذ بي أجد طفلا في الخامسة من عمره متشبثاً في ثوب أخته التي يبدو عليها أنها قد أكملت العقد الأول من عمرها، يجلسان على جانب من الطريق في انكماشٍ، كما لو كانا في مشهد تصويري يجسد مقتل الطفل الفلسطيني محمد الدرة – رحمه الله – فبرغم صغر سن تلك الفتاة، لكن يكفيك أن تنظر إلى التصاق أخيها بها لتتبين أنها له الأب والأم والأخ وكل شيء.

ملابس بالية، وجوه شاحبة، عيون شاردة كالهائم لا يعرف هويته، أجساد واهنة، وإن صح القول فهي ليست أجساد بل هي عظام صغيرة مطلية بالجلد يغطيها طبقة من التراب.

يكفيك أن تنظر إلى عيونهما لترى ما فيهما من كل معاني الأسى والحزن، يرسلان بنظراتهما رسالة لذاك العالم القبيح الذي تجرد من كل معاني الإنسانية والرحمة؛ بأنهما بريئان من ذنوب اقترفها غيرهما ليُحرَما من حقوق العطف والحنان كغيرهم من الأطفال. هما فقط أطفال بأعمارهما، لكن همومهما كما الجبال لا يقواها رجل عتيد! بل إن هيئتهما لا تسمح لأي عاقل يراهما فيطلق عليهما لفظة "أطفال".

ملابس بالية، وجوه شاحبة، عيون شاردة كالهائم لا يعرف هويته، أجساد واهنة، وإن صح القول فهي ليست أجساد بل هي عظام صغيرة مطلية بالجلد يغطيها طبقة من التراب، ينظرون إلىّ في صمت عميق، نظراتهما وحدها كفيلة أن تبعث إلي شعور الذنب والحسرة كما لو كنت أباً لا يعتري جنبات قلبه القليل من الحنان، قسى على طفليه في مساء شتاءٍ قارسٍ وطردهما من البيت.

خرجتُ من بيتي ودنوت إليهما لأعرف ما قصتهما، سألت الفتاة: "انتي منين يا ماما؟" فكان لردها وقع الصاعقة، إجابتها كانت كلمتين مجملتين تفصلان الكثير من معاني الخزي والعار لتصفني أنا ومعشر الكثير من المسلمين…أجابت: "من سوريا"، إذاً هما من تلك البلاد التي أصبح ضحاياها فوق النصف مليون قتيل حتى الآن، وأكثر من 7 ملايين مشرد في شتى بلاد الأرض، من بينهما طفلين نقلتهما الأقدار أمام نافذة حجرتي، لا يبكيان على فراق أبٍ أو أمٍ، لا يشتكيان، لا يصرخان، فقط في صمت عارم.

لا أعلم ما عساي أن أفعل لو كنت مثلهما، لا أعلم ماذا سنقول أمام الله عندما يسألنا عن هذين الطفلين والمشردين أمثالهم من أبناء المسلمين؟!

طلبت منهما أن يدخلا إلى بيتي فرفضا، أحضرت إليهما ما استطعت من طعام، ولكن كان لهما نصيب كبير من الخجل وعزة النفس، رفضا أن يأكلا إلا بعد إلحاحٍ كبير، حتى إذا فرغا من الطعام، وشربا القليل من الماء، صمما على الرحيل… يرفضان أي مساعدة، لا يدخلان أي بيت، يتحركان ببطء كالسلحفاة، العيون كلها تترصد إليهما، يذهبان إلى حيث تأخذهما أقدامهما، لا يعلمان هويتهما، ومازالا صامتين، لا يشتكيان، لا يصرخان، يذهبان إلى حياة لا يعلم مصيرها إلا الله.

أراقب حركتهما صامتاً مثليهما! لا أعلم بأي ذنبٍ تقتل أحلامهما، لا أعلم ما عساي أن أفعل لو كنت مثلهما، لا أعلم ماذا سنقول أمام الله عندما يسألنا عن هذين الطفلين والمشردين أمثالهم من أبناء المسلمين، ما أعلمه فقط هو أننا مجرد أشباه رجال ومازال بيننا أطفال كهذين، طفلان أرادا الحياة في أمّةٍ حياتها موت… طبتم بما صبرتم، فنعم عقب الدار.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.