أمي.. مازال جرس الرحيل يزعجني

BLOGS - حزن

بعد مشاركة مايسترو كرة الطائرة القطري سعيد جمعة في بطولة الخليج لكرة الطائرة في البحرين عام 1999 عاد من سفرته حاملا كأس أفضل لاعب بالبطولة كعادته وألبوم غنائي للفنان راشد الماجد. حيث كانت البحرين في التسعينيات من أول الدول التي تنطلق منها الألبومات الغنائية الجديدة، وسمعنا أغنية "أمي يا أول حب عشته بدنياي يا أول أسما تنطق شفاي طاريه". واتفقنا أنا وشقيقاتي عائشة وخولة أن نسمع أمي الأغنية بطريقة رومانسية.

وجلسنا نخطط كيف لنا أن نسعد الوالدة بهذه الأغنية، كانت أمي في هذه الفترة تقضي ساعات طوال في منزل واحدة من أقرب النساء إلى قلبها السيدة التي استقبلتها عندما قدمت من الإمارات وهي صغيرة لأداء واجب العزاء في وفاة السيدة الحنونة.. طلبنا من السائق أن يدير الأغنية لأمي عند صعودها للسيارة وبالفعل دخلت علينا أمي والسعادة تغمرها لسماعها هذه الكلمات وكنت على يقين بأن فرحتها أكبر لأن سعيد وصل من سفرته.

مر أسبوعين وما زالت مشاعرنا محملة بحب عميق. اختفت أمي من حياتنا أين هي ما هذه المزحة الثقيلة أين والدتي لماذا لا أشم رائحتها، ولا أشم رائحة شاي الحليب الذي تعده كل صباح لينذرنا بقدوم يوم جديد مليء بالحب والدفيء والسعادة. أي سعادة وصاحبة الأبريق لم تعد بيننا.

لوحة جميلة لا يمكن أن أنساها أول ما أدركت أن أمي توفت، أخواني وأخواتي حولي سقطت على الأرض ولم يحملني إلا أخواني وأخواتي، تسندت عليهم وأنا لا حول لي ولا قوة، وما زلت أتسند عليهم وأشعر بالأمان وأنا بينهم

تعرضت والدتي لأزمة صحية لا أعلم ماذا حصل بها حتى يومنا هذا فأنا لا أجرؤ على السؤال وأخواني وأخواتي لا يجرؤون على البوح، ثلاثة أيام فقط هي فترة مكوثها بالمستشفى تحت رحمة الأجهزة التي تصدر أصواتا مزعجة، أصواتا تذكرنا بأن وقت الرحيل قد اقترب، وفي كل تنبيه يصدر من الجهاز تكاد قلوبنا أن تقف خوفا أن لا يعود الصوت مرة أخرى وتكون هذه المرة الأخيرة التي نستمع فيها لقرع جرس الرحيل، جلس أخي عبد الله في ممر المستشفى يقرأ القرأن بصوت عالي وكلما ارتفع صوت الأجهزة أرتفع صوته أكثر، فهو بذلك يريد أن يذكرنا أن الله معنا وأن أمي تحت رحمة الله وحدة، ولن يكون أحد ألطف بها سواه سبحانه، وهذه الأجهزة ماهي إلا كذبه اخترعها شخص وصدقها آخر.

أصدقكم القول لا أذكر كيف مرت علينا هذه الأيام الثلاثة لا أتذكر إلا أنها كانت صعبة وقاسية جدا جدا، مكالمة واحدة التي أذكرها ولا تغيب كلماتها عني أبدا، اتصلت ابنة صديقة أمي لتطمئن عليها وسألتني ماذا بها مما تشكو فقلت لها لا أعلم هي فقط فاقدة الوعي وسوف تعود إلينا قريبا، تغيرت نبرة صوتها وكأنها تستهزأ بكلامي، سألت خولة أختي "هذي تقول أن أمي فيها جلطة ردت أختي يا ليت جلطة" هذا يعني أنها لن تعود ما هذه الكذبة السخيفة في الوقت العصيب.

رابع يوم من مرض الوالدة ذهبت للمدرسة فالغياب عن المدرسة ليس حلا وخاصة أن أكثر مشكلاتنا أنا وأمي سببها الأول والرئيسي كرهي للمدرسة وغيابي المستمر. ذهبت إلى المدرسة وفي نيتي من ذهابي للمدرسة تقديم وعد أنه في حالة عودتها للحياة سألتزم بالدراسة وهذا الوعد يختلف عن جميع الوعود التي قدمتها من قبل. في الأوقات السابقة كانت وعودنا بسيطة على قرار "اشتري لي حذاء جديد ووعد ما أغيب مرة أخرى"، "لا تحضري مجلس الأمهات وأنا بصير أشطر بنت بالمدرسة، "لا تقولين حق حد أني راسبة والله أني بشد حيلي وبنجح"، هذه المرة الوعد "تعالي البيت والله العظيم ما أغيب طوال عمري".

طرق باب الفصل بثينة "جيبي شنطتج وأغراضج وتعالي بتروحين البيت".. "أروح البيت ليش أنا وعدت أمي أداوم".. "تعالي أمج تعبانة روحي شوفيها".. حضرت أختي الكبيرة فايزة توسلت إليها أن تخبرني ما بها "أمي هل صحت من غيبوبتها وطلبتني بالاسم، أنتو قلتوا لها أني بالمدرسة وأني ما راح أغيب مرة ثانية". أختي صامتة وتبتسم لي ابتسامة كاذبة.

وصلت البيت… لماذا كل هذه السيارات أمام منزلنا؟ عمي أمان، وأخي محمد جالسين أمام الباب محمد الرجل الذئب يبكي لابد أن الأمر عظيم فهذا الرجل لا يهزه شيء خلق ليكون قاسي لا يحرك مشاعري شيء إلا أمي.. "أمي أين أمي لماذا هؤلاء الناس في منزلنا، لماذا كل هذه الدموع؟ بهذه الكلمات كنت أصرخ في الشارع وأخواني يمسكوني ويذكروني أن علي أن أصبر فهي ذهبت للذي هو أرحم بها منا. في هذه اللحظة صرخت "أبغي عائشة فهي الشخص الذي دائما أطلبه وقت ضعفي بعد الله".

أمي مستورة.. هذه أمي الثانية هي اللي ربتني واعتنت بي منذ ولادتي وربتني وزرعت فيني كثيرا من القيم والمفاهيم ومن أجملها حب التميز فمنذ طفولتي لا تشبهني بأحد سواء في اللباس أو تصفيف الشعر دائما تحب تشوفني بالمقدمة وحتى في التعليم

لوحة جميلة لا يمكن أن أنساها أول ما أدركت أن أمي توفت، أخواني وأخواتي حولي سقطت على الأرض ولم يحملني إلا أخواني وأخواتي، تسندت عليهم وأنا لا حول لي ولا قوة، وما زلت أتسند عليهم وأشعر بالأمان وأنا بينهم، وفخورة جدا بهم، توفي والدي عام 1997 وبعد سنتين فقط لحقت به ست الحبايب، وبقينا نحن الأخوة نحمل بعضنا بعضا كما تعلمنا في حياتهم ولكن لم نكن نطبق ذلك ذهبوا وعرفنا أهمية الأخ وضرورة وجود الأخت.

"ما عندنا بنات يشتغلون بعد ثانوي" إسماعيل أخوي أمرني أكمل دراستي الجامعية بهذه العبارات الجميلة والدبلوماسية، عدنان أخوي وزوجته بنت عمي كانت مسؤوليتهم كبيرة جدا فهم دائما يجلسون معنا ساعات طويلة ليمر الوقت دون أن نشتاق لوالدي.

أمي مستورة.. هذه أمي الثانية هي اللي ربتني واعتنت بي منذ ولادتي وربتني وزرعت فيني كثيرا من القيم والمفاهيم ومن أجملها حب التميز فمنذ طفولتي لا تشبهني بأحد سواء في اللباس أو تصفيف الشعر دائما تحب تشوفني بالمقدمة وحتى في التعليم، بالرغم أني كنت أخذلهم كثيرا وخاصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية قبل وفاة أمي.

أغنية أمي يا أول حب عشته بدنياي حرمتها على نفسي ولا أستطيع الاستماع إليها أبدا بالرغم من جمالها، وفي يوم اعتقدت خولة لوهله أنها شجاعة وتستطيع أن تسمع الأغنية بكل قوة، وإذا بها تنهار باكية أمام دهشة بناتها، "ماما لماذا تبكين بهذه الهستيرية؟"، وهنا سردت أختي قصة الأغنية لبناتها.