صباح الخير يا جاري

ورود
إن كنت تؤنب نفسك على أدائك الدراسي، أو نوع وظيفتك، أو تتحسر على الفتاة التي لم تتزوجها، أو حتى تقارن نفسك بالنجم الفلاني، والنجمة العلانية؟ وتلاحظ أنك لا زلت مكانك، ولم تجنِ من ذلك كله إلا مزيدًا من التأخر، فهذا المقال مخصص لك أنت بالذات دون غيرك، فهيا بنا…

منذ أسبوع تقريبًا كنت أقلب في قنوات اليوتيوب أبحث عن أية محاضرة تبعث فيَّ الأمل، فأنا متأخرة، وضعي لن يختلف عن وضعك أبدًا: واجبات متراكمة، ورسالة ماجستير تحتاج عشرات التعديلات، وأجلت فيها حتى أصبحت تلاحقني أوراقها حتى في منامي! وبالطبع لم أتزوج وتلاحقني الأسئلة في كل محفل. عشرات الفيديوهات ولم يلفت انتباهي إلا هذه القصة: كان هناك فلاحة استرالية لديها كلبان: واحد أبيض، والآخر أسود، يتعاركان سبت كل أسبوع، فيفوز الأبيض في أسبوع، ويفوز الأسود في الأسبوع الذي يليه، وظلا هكذا لسنوات، إلى أن فقدا رغبتهما في القتال، وفي أحد الأيام سألها أحد جيرانها قائلًا: كيف تفوزين دائمًا بالرهان مهما كان الكلب الذي تراهنين عليه؟ فقالت: أنا أتوقع فوز من أغذيه طوال الأسبوع أكثر.

لا توقف حياتك لأجل فراق أحد، حتى لو كان هو من اختار فراقك، وإن ظننت للحظة واحدة أن رفض أحدهم لك يعني نهاية العالم، فأنت مخطئ؛ لأن هناك ثلاثة أشخاص معجبين بك على الأقل.

رن جوابها في رأسي كالمطرقة، ما الذي أفعله في نفسي؟ أنا لا أغذي فيَّ غير النقص، والمقارنة والحسرة، أنا أحطمني بمنتهى الإصرار! فإن كنت مصرًا، أو مضطرًا لدخول حلبة الحياة، فعلى الأقل غذي جانبك الأقوى، غذي عقلك وطموحك، وثقتك بنفسك، ادعم جارك الوحيد الذي لا يفارقك أبدًا، توقف عن نعته بالفاشل، قوه بالقراءة، والرياضة، والمحبة، وتوقف عن كل ما تغذيته من سموم، فلتر السباب، أو تجنبه تمامًا، عدد إنجازاتك، انظر إلى ما تملكه بالفعل، أنت لديك هبة ما، ميزة، ابحث عنها، قوِها، دعم "نفسك" قرينك الأبدي.

لا توقف حياتك لأجل فراق أحد، حتى لو كان هو من اختار فراقك، وإن ظننت للحظة واحدة أن رفض أحدهم لك يعني نهاية العالم، فأنت مخطئ؛ لأن هناك ثلاثة أشخاص معجبين بك على الأقل، ويتقبلون وجودك في حياتهم، فقط فتش عنهم، أزح الركام الذي يحول بينك وبين الناس، وبينك وبين السعادة والعطاء أيضًا. توقف عن مصادقة السيئين المزعجين، الذين تتشوه صورتك بمجرد النظر إلى جباههم المقتضبة، جرب أن تكف عن نعت نفسك بأية صفة سلبية، لا أقول لك ارضَ بعيوبك، وإنما أصلحها، أو توقف عن ذكرها، ركز في أن لديك قيمة مضافة هائلة، ربما هي التي أهلتك لقراءة هذا المقال، ابحث عن علامتك الذهبية التي تجعلك تنبض وتبرق أمام كل هذا الحشد.

منذ أيام تحدث معي زميل لي يظن حرفيا أنني بارعة. عليك فقط أن تجعل لحياتك قيمة خاصة، أي عالم جميل تصنعه ومعنى تضيفه لحياتك تخدم من خلاله نفسك، والآخرين، أتذكر قول رضوى عاشور عندما سألوها لماذا تكتب؟ فقالت: "السؤال نفسه غريب، أنا أحب الكتابة لدرجة أن أرى سؤالًا كهذا غريبًا".
فقيمة حياتك هو الشيء الذي تحبه، لدرجة أنك لو سُئلت لماذا تحبه لصار السؤال غريبًا. تمتع يا صديق بكل الأشياء البسيطة: الطعام، والابتسامة، ربِ حيوانًا أليفًا، لا تترك نفسك أبدًا لسياسة، ولا تجرِ في فلك هؤلاء الخبثاء، اصنع لنفسك عالمًا نظيفًا.

يمكنك أن تبدأ الآن، أحضر قائمة بالأشياء التي كانت تسعدك في الماضي ولا تزال حلاوتها تعشش في قلبك، كزيارة مدينتك مثلًا، أو حتى ممارسة لعبة تقليدية كنت تلعبها مع أطفال حيك، جرب ذلك، كلها أشياء تجعل لروحك أبعادًا مختلفة، دوِّن بشكل يومي حتى لو شيء واحد جيد. تحدث، نعم! فإذا كانوا أخبرونا أن الصمت أغلى من الذهب، فأنا أقول لك تحدث حتى تنثر الذهب الذي في داخلك، حلل أشياء جميلة، استمع إلى موسيقى وتحدث عن المقطوعة وشاركها مع أصدقائك. وفي النهاية، لا تدع نفسك للوحدة أبدًا. صلِ بشكل عميق، عميق إلى الدرجة التي تعدد فيه طبقات روحك وتكون بمنأى عن الألم، قل لنفسك كل صباح: صباح الخير يا جاري، أنا حالك وأنت حالي!