ريما، ريما بالله عليك أجيبينا

U.N. Under-Secretary General and ESCWA Executive Secretary Rima Khalaf reacts during a news conference in Beirut, Lebanon March 15, 2017. Picture taken March 15, 2017. REUTERS/Mohamed Azakir

إن حقيقة استحالة الجمع بين النقيضين لازالت قيد الشك عند كثير ممن وثقت بهم الأمة العربية فسلمتهم زمام أعدل قضية في التاريخ وهي فلسطين، فيتباكون عليها في المحافل وأمام الشعوب وإذا سرى السامر يغازلون المحتل مؤمنين أنها هي النافذة الوحيدة التي يتناولون منها شهادة حسن السيرة والسلوك. هذا ما لم تعرفه الدكتورة ريما خلف، وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة والأمينة التنفيذية للإسكوا. فقيمها لا تتشظى فليس لديها إلا مبدأ واحد تسوس به نفسها وتعلق به على قضياها. منذ الجمعة الماضية واستقالتها موضوع متناول في الصحف الأمريكية وغيرها، وريما في الوقت نفسه هي جدول أعمال أعلى مستويات التمثيل لبعض وفود الدول العربية في الأمم المتحدة. وقضيتها باختصار قدمت استقالتها الأسبوع الماضي من منصبها المرموق في الأمم المتحدة احتجاجاً على طلب الأمين العام سحب تقرير الممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ومسألة الأبارتايد، من موقع الإسكوا الالكتروني.

ريما، لماذا هذا الإيمان العميق ومن تقصدين بقولك في خطاب الاستقالة " وأؤمن أن قول كلمة الحق في وجه جائر متسلط، ليس حقا للناس فحسب، بل هو واجب عليهم" ما هذا النُبل، قد أحرجتي كل أحد وبالأخص الصامتون عن قضاياهم العادلة والتي يرتج بها كل ركن وزاوية في الوطن العربي، ماذا تقولين لمن لا يراها حق ولا وأجب أصلاً. ريما، قلت الكثير والكثير في خطاب استقالتك وقد استوقفني هذا أيضاً "عمر كامل قضيته هنا، في هذه المنطقة، شاهدة على العواقب الوخيمة لكبت الناس ومنعهم من التعبير عن مظالمهم بالوسائل السلمية" ياليت قومي يعلمون. هل تعتقدين أنهم لا يعلمون؟ ريما، استقلتِ! لماذا لا تعرفين اللعب على الحبلين والمشي بين الرصيفين، أما أغرتك شرفت نافذتك المطلة على أبراج منهاتن والتي كأنها عِقد في نحر جذّاب، ما هي مشاعرك كيف انتصرت على النفس والنفيس وتغلبت على الرخيص، من أنت ومن رباك يا أُخيتي سلمت يداك. 

ريما ملهمتي، وضعت يدي على قلبي حينما قلتي في خطابك الأخير "والظلم، في المطلق، ليس جديداً على ناسنا، إلا أن بلوغه هذا المبلغ، وعمومه هذا العموم، غير مسبوق في تاريخ العرب الحديث"

ريما، دعاني خطاب استقالتك أن أستقصي بعض كتاباتك فكان مقالك الأخير قبل أيام في يوم المرأة العالمي قد استوقفني بعض عباراته ك " يقترب من الحرية كلما ابتعد عن السلطة " هل يجوز لي بعبارتك هذه أن أتذكر بعض رجال دين السلطة ممن حيدت حريتهم فأصبحوا يشرعون الظالم ويشرعون له، حتى غدا المتسلط بمباركتهم يميل على الآلف من المواطنين في رابعة النهار ميلة واحدة فيجعلهم جثة هامدة وبعد ذلك يُستكثر على الناس حتى أن تتوجع. 

ريما ملهمتي، وضعت يدي على قلبي حينما قلتي في خطابك الأخير "والظلم، في المطلق، ليس جديداً على ناسنا، إلا أن بلوغه هذا المبلغ، وعمومه هذا العموم، غير مسبوق في تاريخ العرب الحديث" بالله عليك هل تقصدين ما قلتي، وهل هناك فرج قريب أو بارقة آمل، هل لإثارة النخب والمثقفين الصادقين من أمثالك دور بارز في رفع الظلم فيجب إيقافهم عند مسؤوليتهم للاضطلاع بدور مؤثر في كشف الغمة عن العالم العربي، هل الوقوف في وجه المصفقين والمطبلين للظلم وللظالمين له تأثير في خلخلة الأزمة وحلحلتها. أجيبيني أختاه. 

ريما قلتي نصاً "من يقبل بالسيء خوفا من الأسوأ، يبتلَ بالسيء ثم بالأسوأ فالأسوأ" هناك حيث عالم العرب، أنسيت؟! أن من يعلو الظالم بالحجة ليس له جواب إلا القيد؟ أم لعلك تؤمنين بأنه لا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر. ريما، ريما، بالله عليك أجيبينا، جفت مئاقينا من كثرة ما نبكي أمام بوابة الأمم المتحدة، سبعون عاماً ونحن كلما حلت بنا نكبة هرعنا إلى هذا الباب، وجادلنا عنها كثير من بني قومنا والذين يدعوننا إلى التخلي عن هذا الوهم، فاتهمناهم بالراديكالية والتخلف والإحباط، هل كنا في الاتجاه الصحيح أم تصمينا بأننا نحن اللاهثون خلف السراب. ريما، في الختام شكراً من الأعماق لهذا الدرس حينما قلتي "أتنحى جانبا وأترك لغيري أن يقوم بما يمنعني ضميري من القيام به" شكراً لصاحبة الضمير الكبير في يوم (خمُصت) فيه الضمائر إلا من رحم الله.