الثـورة السـورية.. أسباب تأخر الحسم (1)

blogs - حرب سوريا
ست سنوات مضت من عمر الثورة السورية، ثورة انطلقت كغيرها من ثورات الشعوب العربية، مطالبيين بالعيش والحرية والكرامة الإنسانية. قضى الشعب السوري ستة أشهر في الميادين وبسلمية تامة، مطالبا بحقه في الحرية، قبل أن تُجر الثورة من ميدان السلِّمية إلى ميدان المعارك المسلحة ظناً من الطرفين: الثوار والنظام؛ بأنهما قادران على حسم المعركة في أيام وأشهر معدودة غير آخذين بالتداخل الأثني، والطائفي الذي يسهل توظيفه من قبل القوة الإقليمية والدولية لإطالة المعركة.

وبعد كل هذه السنوات نتساءل لماذا تأخر حسم المعركة؟ للإجابة عن هذا السؤال هناك ثلاثة أسباب خارجية حالت دون حسم المعركة في سوريا، سنتناول في هذه المساحة أهم هذه الأسباب: 
1- الارتداد على الثورات العربية من قبل "الثورة المضادة".
2- المصلحة الإسرائيلية في إطالة أمد الحرب في سوريا.
3- التدخل العسكري الروسي في سوريا.

بعد انطلاقة الثورات، عمت موجة ثورية جميع أرجاء الوطن العربي، مما جعل الشعوب تعيش في حالة نشوه ثورية. وبعد سقوط هذه الأنظمة ابتداءً من تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، ازداد الحماس الشعبي، وأصبحت حالة الشعور بالنصر هي المسيطرة على الكل. لكن بعد العام الأول من الثورات تكونت جبهات مضادة لهذه الموجة الثورية، وأطلق عليها اسم مجازي بالثورات المضادة التي سعت لإسقاط منجزات الثورة.

أهم سبب في إطالة عمر الثورة السورية وتأخر الحسم هو الثورات المضادة، وخوف بعض الدول العربية من أن تطالها شرارة الثورة، لذلك جعلت سوريا عبرة لمن أراد أن يسلك مسار الثورة.

لقد شكل صعود التيارات الإسلامية مهدد لهذه الدول التي سعت لإسقاط هذا الحلم العربي بتحقيق الحرية والعدالة. وبعد عام فقط رأينا كيف وجهه إعلام هذه الموجة المضادة أسلحته على الرؤساء المنتخبين، وشيطنتهم وإلصاق أفظع التهم بهم حتى تشكل هذا الشرخ الكبير بين أبناء الثورة، وانقسموا على ذاتهم إلى أن تم إسقاط الثورة المصرية في انقلاب واضح من قبل العسكر، وبدعم عربي ودولي للانقلاب المصري، ووصول الجنرال السيسي الذي كان وزير دفاع السلطة المنتخبة إلى السلطة، ثم استمر هذا الشرخ الذي وصل بدوره إلى ليبيا التي جعلها شبه منقسمة على ذاتها بين طرفين أحدها يمثل الثورة، وآخر يمثل الثورة المضادة دون سيطرة حقيقة لكل منهما على الأرض.

لم تقتصر هذه الارتدادات على مصر وليببا، لقد وصل الأمر إلى اليمن، مما جعل الرئيس المخلوع على عبدالله صالح يعيد التفكير بالعودة إلى الحكم، ووصل به الأمر أن يتحالف مع جماعة الحوثي، والتي كانت من أشد اعدائه طيلة سنوات حكمه.

كل هذه الارتدادات صب نهر أحداثها الطويل في بحر الثورة؛ مما جعل الأمر يطول ويتأخر حسم المعركة فيها، وانقسام الدول العربية على الثورات جعل أغلب الدول تقف في صف الثورة المضادة ودعم الدكتاتورات، وإعادة الشعوب إلى بيت الطاعة الذي كانوا عليه، والقليل من هذه الدول الذي آمـن بتطلعات الشعوب وظل يدعم. لكن من المؤكد أن أهم سبب في إطالة عمر الثورة السورية وتأخر الحسم هو الثورات المضادة، وخوف بعض الدول العربية من أن تطالها شرارة الثورة، لذلك جعلت سوريا عبرة لمن أراد أن يسلك مسار الثورة أو يحلم بالتغيير.

أنصار الثورة المضادة أصروا بأن يجعلوا سوريا عبرة لشعوبهم، ويضعوهم بين خيارين إما أن يقبلوا بما هم عليه، أو أن يكون مصيرهم مصير الشعب السوري من تشريد وتهجير ودمار.

إن الانقسام الذي صاحب الثورات المضادة لحق أيضاً بالفصائل المسلحة السورية، فأصبحت مرتهنة لهذه الدول لأسباب منها الدعم والتمويل، مما جعل بندقية الثورة مرهونة لمن يدعمها، وأصبح دعم الدول العربية للثورة حسب مصلحتها في قتال أعدائها المفترضين، وشكل هذا الدعم المشروط للفصائل المسلحة أن يصل بهم الأمر إلى الاقتتال فيما بينهم لأسباب خارجية، وشيطنت بعض الفصائل ذات التوجه الإسلامي، خصوصاً بعد تصنيف بعض الدول العربية جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، وهذا جعل كل من يدور في فلك الجماعة من قريب أو بعيد يُنعت بالإرهارب، وبهذا تغير مسار الثورة وأصبح خطاب الحرب على الإرهاب هو الطاغي والمسيطر، حتى اتحد خطاب أنصار الثورة المضادة وخطاب النظام السوري، وكأن الإرهاب هو أساس المشكلة، وليست المشكلة هي أن هنالك شعب خرج بثورة ينشد فيها الخلاص والحرية.

يمكنني أن أقول إن أكبر هزيمة لحقت بالثورة السورية؛ ليست تقاعص أميركا والغرب، ولكن انقسام الدول العربية في دعم الشعب السوري، لتحقق أهدافه التي خرج لأجلها، ولو استمر الدعم العربي الموحد كما كان عليه الحال في بداية الثورة حين أعلنت كل الدول العربية اعترافها باللائتلاف الوطني السوري ممثلا للشعب السوري في قمة الدوحة، بعد أن وصل الدعم ذروته عندما مُنح مقعد الدولة السورية في جامعة الدول العربية، لو استمر ذلك النهج لكان قُضي الأمر في سوريا وحُسمت المعركة لصالح الثورة، وحُقنت دماء المئات من أبناء وبنات الشعب السوري. إلا أن أنصار الثورة المضادة أصروا بأن يجعلوا سوريا عبرة لشعوبهم، ويضعوهم بين خيارين إما أن يقبلوا بما هم عليه، أو أن يكون مصيرهم مصير الشعب السوري من تشريد وتهجير ودمار. لكن الأمـر لم يقتصر على الدول العربية فقط، بل هناك أطراف لها مصلحة في إطالة هذا الصراع، والتي أشرت لها في آنفاً وسنتناولها في المساحة القادمة.