الانحراف المعياري للأخطاء البشرية في الحياة

blogs - طريق خطأ
في عالم الإحصاء يحسب مقياس الخطأ المتوقع في درجة الاختبار، ويقدر الفرق بين القيمة المتوقعة والقيمة التي يُحصل عليها بتطبيق معادلة حسابية ليست محور اهتمامي في هذا المقال بعينها، وإنما ما يعنيني هو وجودها، فحساب الانحراف المعياري لعينة من قيم طلاب في اختبار الرياضيات أو الفيزياء أو الحاسوب أو مهما يكن ممكنا. وحساب هامش الخطأ لعينة من المشاركين في استفتاء عن عدد السكان أو نجاح منتج معين أو حتى حساب هذا الهامش لنسبة وجود مادة كيمايئية ما في منتج معين مثلا يعتبر ضرورة أيضا. وما إن تحسب هذه القيمة حتى تتربص لباقي القيم التي تحكمها لتكشف عن أي تجاوز عنها بلسان حال يقول "لا تخلطوا بين الخطأ والتجاوز". في عالم القيم وُضع قانون للتفريق بين الخطأ والتجاوز، قانون يسمح للقيم بأن تنحرف عن مسارها ولكن بمعيار، فما هو قانون الانحراف المعياري للأخطاء البشرية في الحياة.

الخطأ جزء لا يتجزأ من الحياة و الوقوع فيه شر لابد منه، وليس في الوقوع في الخطأ أية مشكلة، ولكن جوهر المشكلة يكمن في عشوائية التعامل مع هذا الخطأ وتكراره وعدم الاكتراث للهامش المسموح سواء لحجم الخطأ أو لعدد مرات حدوثه، ولأن قانون حساب هذا الهامش لا يزال قيد الإنشاء، أحاول في هذا المقال أن أضع صيغة مبدئية لحساب الانحراف المعياري للأخطاء البشرية في الحياة ونص هذا القانون "عقلك بمعزل عن مرجع ثابت غير بشري لا يكفي".

بصورة أوضح خلق الله الإنسان وأكرمه بالعقل الذي في نطاق تفكيره المخلوق من البديهي أن يكون المرجع الأول للتمييز والتفكير والمعرفة، ولكن حذاري أيها الإنسان أن تغتر بعقلك فلو كان العقل كاف لما كان الإنسان هو نواة الكوارث على الأرض بسبب أخطائه، ولما احتل الإنسان المرتبة الأولى دائما كأول كائن مفسد على مر التاريخ مع مرتبة الشرف، ولو كان العقل كافيا لما تمركز معظم المفكرين في تفكيرهم على تبرير الأخطاء، ولو كان العقل كافيا لما تفوق الإنسان دائما على الحيوان بالخطأ سواء كان تفوقا فرديا أو جماعيا، فهل تعرفون سمكة قررت أن تجرب الحياة خارج المياه ليوم واحد ثم تعود؟ وأنا متأكدة بأن معظم الإجابات عن هذا السؤال ستكون "لن تفعلها السمكة لأنها سمكة ولكن الإنسان إنسان"، إجابة صحيحة تؤكد ما أسعى لقوله في هذا المقال، أن وجود العقل ليس مانعا لحدوث الخطأ وفي هذا نحن متفقون ولكن برأيي ليس مبررا لحدوثه أيضا.

المرجع المطلوب لاكتمال نص المعادلة السابقة مرجع مشروع وشرطه أن يكون مرجعا ثابتا ولا يمكن لمرجع بشري أن يكون ثابتا.

فقبل أن تتسرع أيها الإنسان بالاعتماد على عقلك عليك أن تعرف أنه لا يعمل بمعزل عن المرجع. أذكر مرة في إحدى المحاضرات في الجامعة سألنا المحاضر ما هو مرجعنا في تكوين أنفسنا التي ستكون لنا مرجعا في ارتكابنا للأخطاء؟ فلفتت نظري إجابات الطلاب التي تطرقت لكل شيء بشري في أصله معتمدا على العقل فقط وتجردت من أي شيء إلهي. فكانت بعض الإجابات أنهم يستقون أفكارهم وقيمهم من الأهل والمدرسة والتلفاز والكتب وكثير من نتاج العقل البشري.

أن يكون ما سبق ذكره جزءا من تكوين أنفسنا ضرورة وليس خطأ، ولكن الاكتفاء بها حتما طريق سهل محكوم بالخطأ كنهاية، العقل البشري لن يعمل بشكل صحيح إن كانت جميع المدخلات بشرية وسيظل ذلك الهامش المرجو للتفريق بين الخطأ والتجاوز عشوائيا وسيظل الإنسان عابثا مفسدا مخطئا مبررا لنفسه بحجة عقله الذي يكون الإجابة الأولى عن سؤال كيف يمكن للإنسان التمييز بين ما هو خطأ وما هو صحيح؟ فما هذه المفارقة؟! إذن المرجع المطلوب لاكتمال نص المعادلة السابقة مرجع مشروع وشرطه أن يكون مرجعا ثابتا ولا يمكن لمرجع بشري أن يكون ثابتا.

بين الخطأ والتجاوز وبين الإسهام والاكتفاء وبين المتغير والثابت وبين العقل والمرجع كان نص "عقلك بمعزل عن مرجع ثابت غير بشري لا يكفي" نتاج استشفائي لقانون يحسب الانحراف المعياري للأخطاء البشرية في الحياة.