شعار قسم مدونات

حين يكذب الرائد على أهله

blogs - speech
من أهم ما تمتاز به السيادة قديماً الصدق، فالصدق علامة ملازمة للسيادة، فليس مقبولاً في عرف القوم أن يسودهم كذاب دجال، فأمثال هؤلاء لا محل لهم في الصدارة، ولا موقع لهم في السيادة، ولا ظل لهم في الريادة، لأن الكذب من الأخلاق المذمومة التي سرعان ما تهوي بأصحابها إلى القاع، الذي ما كان لينشل من وصل إليه مال امتلكه، ولا عشيرة أسند ظهره إليها، ولا قوة موهومة، ولا جاه ورثه، الكذاب مرفوض بكل المقاييس والموازين التي كانت تؤمن بها المجتمعات العربية الأصيلة في شأن سيادتها وقيادتها، ومكان صدارتها، فلا تأمن عليه كذاباً اشتهر كذبه، وعرفت ألاعيبه.

والصدق عندهم علامة تميز، يمدح به صاحبه، ويرتفع في وسط القوم شأنه، ويعظم مقامه، ولذلك أهم ما عرف به الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعثته، واشتهر به "الصادق الأمين"، فالصدق والأمانة تجعلك في محل الصدارة والريادة والقيادة، فلذلك حكموا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يوم اختلفوا في وضع الحجر الأسود، ورضوا بحكمه، منشرحة به صدورهم، وبحكمه هذا حقن دماءً، كان من الممكن أن تريقها حدة الاختلاف والخصومة، وحفظ صفوفاً كانت ستنشق وتتبعثر، وصان أعراضاً كانت ستنتهك، وحرمات ستداس.

أن يتصدر الكاذب الذي يمتاز بالكذب أمر مرفوض، وغير مقبول في العرف العربي الأصيل، لأن في تصدره فساد ذات البين، وتقطيع الأوصال، وإعلاء شأن المنافقين والمرائين، وضياع الأمانة.

فأن يتصدر الكاذب، الذي يمتاز بالكذب أمر مرفوض، وغير مقبول في العرف العربي الأصيل، لأن في تصدره فساد ذات البين، وتقطيع الأوصال، وإعلاء شأن المنافقين والمرائين، وضياع الأمانة، وسوء الإدارة، وشيوع الفساد بكل أنواعه، وهذا في الحقيقة ما نلمسه في أيامنا هذه في واقعنا المعاش، الذي راجت فيه بضاعة الكذب، فانتشر الفساد في أمتنا انتشار النار في الهشيم.

 فحين يمارس الرائد القائد الكذب، فيكذب أهله، ويكذب عليهم، ويكذب فيهم، ويكذبهم، ويكيل لهم التهم جزافاً، فإن مكانة السيادة وصورتها ستهتز في النفوس، وتصبح مكاناً خصباً للتندر والفكاهة والضحك ملء الأشداق، إذ يهرب الناس من جحيم الكذب إلى برد الفكاهة والنكتة، علاوة على إحاطة مكانة السيادة بدوائر النفاق والرياء و(المصلحجيين)، والويل كل الويل لقوم تصدر فيها هؤلاء، فتزيوا بزي النبلاء، وارتدوا رداء الشرفاء، فغدوا يتشدقون بالشرف والنبل، ويتسلحون بالهم العام، ويرفعون شعار المصلحة العامة، وباسمها يقلبون الحقائق رأساً على عقب، فيقربون ويقصون، ويرفعون ويخفضون، ويعينون ويفصلون، ويطلقون ويسجنون على أساس افتراءاتهم وكذبهم وهرطقاتهم.

 إن وافقتهم بكذبهم ودجلهم، ودخلت في جوقتهم مطبلاً ومزمراً رفعوك وقدموك، وإن انتقدتهم بكلمة أو مقال أو فعل أو ما شابه، غضبوا عليك، وقذفوك بألسنة حداد، ووصفوك بأبشع الأوصاف، أقلها ارتباطك بأجندات خارجية، تستهدف الأمن والأمان، وما ينعم به القوم من طمأنينة واستقرار، طبعاً المقصود هنا طمأنينة عدم ملاحقة كذبهم، واستقرارهم على كراسي سيادتهم، التي بها يستبيحون أخضر ما حكموه ويابسه.

ولعلي لا أتجاوز الحقيقة، قيد أنملة، إن أكدت كما أكد كثيرون من قبل ومن بعد، ولست مبدعاً في هذا أو مبتدعاً أن وصول ( الكذابين) إلى دفة السيادة والقيادة من أهم أسباب زوال الأنظمة، وفساد الحياة، وذهاب الهيبة، وشيوع الآفات وانتشار الأوباء المجتمعية؛ حين يكذب الرائد أهله، أو حين يكذب عليهم، أو حين يلفق لنفر منهم التهم، فيزور الحقائق، ويقلبها رأساً على عقب، ولم يؤخذ على يده، ولم يزجر عن سوء فعله،، فاعلم أنهم على موعد مع الزوال القريب، فإذا أراد ربك زوال نعمة، وعقاب قوم، أو ذهاب ريحهم، وفناء وجودهم، وإنهاء أمرهم،، جعل السيادة والإمارة والريادة في قوم كذابين أفاقين، مرسوا في الدجل والنفاق، والعياذ بالله،، ألم يخبرنا جلّ في عليائه عن هؤلاء بقوله في سورة الإسراء: "وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)". 

والفسق وليد الكذب، لأنه خروج على كل القيم والمبادئ، والقفز عنها وعليها، للوصول إلى تحقيق المآراب الشخصية، من شهوات وملذات وأهواء، وفساد وإفساد وظلم وطغيان. ويزداد الأمر سوءاً أن يتجاوز الرائد حدود الكذب، إلى الوقوع في مستنقع الافتراءات الظالمة حتى يبرر ويسوغ كذبه، أو يدلل على صحة ما ذهب إليه من أكاذيب، وما يمكن قوله هنا عن الأنظمة والحضارات والدول، فإنه ينسحب على المؤسسات والشركات والجماعات والتجمعات والأحزاب وغيرها.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.