هل سيحل العثماني البلوكاج ويشكل الحكومة؟

blogs - سعد الدين العثماني
لأول مرة في تاريخ البلاد يتتبع الشعب المغربي المشهد السياسي، ويفهم صغيره قبل كبيره، جاهله قبل مثقفه، السياسة وما يجري فيها من أحداث كان معظمهم يجهلها طيلة أزيد من نصف قرن منذ الاستقلال. فشعبوية رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران، ولغته الواضحة، وتصريحاته، وشروحاته لما يحدث في دواليب السياسة… جعلته أقرب إلى كافة شرائح المجتمع، خصوصا الأمية منها.

صار الجميع يعرف صندوق المقاصة ودوره ومساهمته في تخفيض أسعار المواد الأولية بالبلاد عن الأسعار العالمية. واطلع الجميع في عهده على راتب ملك البلاد وعلى بعض تفاصيل ميزانية القصور. وتم في عهده تسريب لائحة مأذونيات السير والملاحة التي استفاد منها كبار رجال الدولة والعسكر. وافتضحت أمور من قبيل الأموال المهربة لكبار رجال الدولة في سويسرا وبنما وغيرهما، وكيف يستفيد الأخيرون من سلطتهم للحصول على امتيازات لم تكن لتتوفر لغيرهم، كقضية أراضي تجزئة طريق زعير المرتفع ثمنها وشرائها بثمن بخس، وهم المسمون بخدام الدولة. وكذا التهرب الضريبي لكبرى الشركات… وهي أمور كانت من الطابوهات، وسقطت بسببها رقاب في الماضي، وسجن العديدون، خصوصا في عهد الملك الراحل الحسن الثاني.

وفضح في عهد بنكيران فساد العديد من الوزراء السابقين، الذين مرروا صفقات لا تنفع البلاد في شيء، كصفقة لقاحات الأطفال التي اتضح أنها صفقة مربحة للوزيرة التي وقعتها وجُزيت عنها بشقق في باريس وغيرها، بينما بقيت اللقاحات مرمية في ثلاجات وزارة الصحة…

إذ كان لا بد من البحث عن حلفاء جدد، فقد ظهر هذه المرة أمين عام حزب التجمع الوطني للأحرار ورجل الأعمال عزيز أخنوش، ودخل في الخط، وبدأ بالضغط هو الآخر على بنكيران وابتزازه.

لقد دخل بنكيران قلوب كثير من المغاربة الذين رأوا فيه الشخص الصالح المصلح، نظيف اليد، فاضح الفساد والمفسدين، الذي لم تستطع الأحزاب المنافسة وأمناؤها العامون إيجاد ثغرة قصد تشويهه وجعل الشارع يذمه ويصوت انتقاما منه لحزب صديق الملك. فأخرج الحزب الأخير قبل موعد الانتخابات عدة تمثيليات فاشلة، كمسيرة الدار البيضاء التي جيشت لها وزارة الداخلية مئات الأميين والفقراء من الشعب، ودفعت لهم الأموال، ونقلتهم على متن حافلات تعود ملكيتها لأحد أعضاء الحزب المستفيد، قصد الخروج في مسيرة يصورها الإعلام العالمي لتشويه صورة بنكيران، وحمّلتهم لافتات مكتوب عليها "لا لأسلمة المجتمع المغربي" كأن المجتمع المغربي مجتمع بوذي أو مسيحي، في إشارة إلى محاربة الدين التي يدعو لها الحزب العلماني الجديد. فانقلب السحر على الساحر، وشاهد العالم كيف أن بعضا ممن خرجوا لم يعرفوا لماذا خرجوا أصلا. وصرح آخرون أنهم أوهِموا بالخروج في مسيرة وطنية ضد الإرهاب الصهيوني. بينما اعتقد فريق ثالث أنهم خرجوا للاحتجاج على تصريحات الأمين العام الأممي بان كي مون ضد مصالح المغرب في الصحراء. واعترف كثيرون أن من أخرجهم كانوا من قواد وعمال صاحب الجلالة في أقاليم مختلفة من البلاد. وغيرها من المحاولات لضرب آخر مسمار في نعش بنكيران الذي لم يمت، بل كان في كامل قوته وصحته وشبابه يطل عليهم ويضحك على غبائهم وخيبتهم.

إن الأيام الأولى للانتخابات أعطت انطلاقة تربص الجميع ببنكيران لإفشاله، حيث ظهرت مؤشرات ودلائل كثيرة على تورط المخزن في تزوير هذه العملية الديمقراطية قصد منع الحزب الإخواني من الحصول على أغلبية مطلقة، يشكل بناء عليها حكومته بأريحية. دون إعطاء الفرصة للمخزن للتدخل وتسيير شؤونها كما فعل في الحكومة السابقة. ولاحظ الجميع كيف أن البلوكاج الحكومي انطلق مباشرة بعد ظهور نتائج الانتخابات وفوز حزب العدالة والتنمية بالرتبة الأولى بـ 125 مقعدا من أصل 395. فبدأت عدة أحزاب تبتز رئيس الحكومة المعزول عبد الإله بنكيران، الذي عينه ملك البلاد وفوضه لتشكيل الحكومة، حيث قام الأمين العام لحزب الاستقلال عبد الحميد شباط الذي حصل حزبه على 46 مقعدا (بنسبة تقارب عُشر عدد مقاعد البرلمان) بابتزاز بنكيران للحصول على أكبر نصيب من الكعكة الحكومية، حيث طالبه بمنح حزبه 10 حقائب وزارية من أصل 40 على أقصى تقدير، بالإضافة إلى جعله رئيسا لمجلس النواب، وهو طلب مبالغ فيه إن قورن بعدد المقاعد التي حصلها حزبه في الانتخابات. مما جعل الاتفاق معه مستحيلا، خصوصا بعد المشكلة الدبلوماسية التي سببها مع الجارة الجنوبية موريتانيا.

هل سيتكسر حاجز البلوكاج الذي وضعته الأحزاب الانتهازية في طريق تشكيل الحكومة؟ وهل سيتنازل العثماني ويستجيب لرغبات الانتهازيين ومطالبهم التعجيزية؟ أم أنه سيحافظ على مبادئ حزبه.

وإذ كان لا بد من البحث عن حلفاء جدد، فقد ظهر هذه المرة أمين عام حزب التجمع الوطني للأحرار ورجل الأعمال عزيز أخنوش، ودخل في الخط، وبدأ بالضغط هو الآخر على بنكيران وابتزازه بشروط تعجيزية من قبيل قبول عدة أحزاب أخرجتها الصناديق من اللعبة، وإعادة إدخالها في الحكومة الجديدة… وقد رد بنكيران عن الأمر في مؤتمر صحفي: "مهم أن نشكل الحكومة بالنسبة للبلد ولحزبنا، لكن الحفاظ على مبادئنا وقيمنا أهم، بكل صراحة، وأمران لا يمكنني قبولهما، أولهما شخص أيا يكن يتصرف معي كأنه هو رئيس الحكومة ويهين إرادة الشعب المغربي…" في إشارة إلى الابتزازات والطلبات المبالغ فيها من طرف الأمناء العامون للأحزاب، وأيضا إلى كون الشعب قد سحب ثقته من هذه الأحزاب ويستحيل أن يخون هو ثقة هذا الشعب ويعيد هذه الأحزاب إلى الحكم. وقال: "ماذا فعل حزبنا لكي يحصل على أزيد من ضعف عدد المقاعد التي حصل عليها في انتخابات 2011، وكانت 47 مقعدا؟". وهو سؤال تجيب عنه إنجازاته السابقة، وثقة الشعب في ما يمكن لبنكيران أن يمنحه في الولاية الثانية.

والآن، وبعد أن عاقب عاهل البلاد بنكيران بتهمة "تفشيله" في تشكيل الحكومة من طرف المستفيدين من الريع ومن الفساد السياسي، وعين بدله سعد الدين العثماني رئيسا للحكومة، في حركة غريبة وغير مفهومة. خصوصا وأن الأخير كان قد دخل دائرة المغضوب عليهم بعد أن سُحِبت منه حقيبته الوزارية في الحكومة السابقة، بسبب إسقاطه عددا من رموز الفساد الأخاطيب في البلاد، وتشكيله تهديدا على كثيرين آخرين. فهل يا ترى سيتكسر حاجز البلوكاج الذي وضعته الأحزاب الانتهازية في طريق تشكيل الحكومة؟ وهل سيتنازل العثماني ويستجيب لرغبات الانتهازيين ومطالبهم التعجيزية؟ أم أنه سيحافظ على مبادئ حزبه ولن يتحرك قيد أنملة لتمكين هؤلاء من مطامعهم؟ ما يعني استمرار البلوكاج، ومن ثم فشل رئيس الحكومة الجديد، مما قد يجعل ملك البلاد يتدخل مجددا، ولا شك سيعلن فشل الحزب ككل في تشكيل الحكومة فيركنه في المعارضة، ويمنح مفاتيح الحكومة لحزب صديقه الذي حصل على الرتبة الثانية. وهو، في نظري، الهدف الذي سعت إليه هذه الأحزاب طيلة هذه المدة عبر إفشال الإخوان، وذلك قصد الحصول على الغنيمة والإعلان عن الحكومة التي، لا شك، شكلوها بالتوافق مع الأحزاب التي لعبت دورا في إفشال حكومة الإخوان حتى قبل ظهور نتائج الانتخابات.