"صراحة" خروج المنافقين

blogs - استخدام مواقع التواصل

أستوقفتني ظاهرة موقع "صراحة" المنتشرة مؤخراً، وبصراحةٍ كاملة وصلت إلى قناعةٍ أننا محاطون بأناسٌ يضمرون لك من الشر وسوء النية أكثر مما يظهرون لك، ولربما يكونوا أولئك أنفسهم غارقون في تفاصيل حياتك، والبحث عن خباياها، والتقام عثراتك وأخطائك، حتى يتم تدوينها في دفاترهم السوداء، ليشهروها عندما تواتيهم الفرص. معظم مَن يبعث لك بِسُمّه لا يعرفك بشكل شخصي، وما عاش ظروفك، وإنما التقى صوتك -مكتوباً أو مرئياً-على مواقع التواصل الاجتماعي، فاعتقد بتفكيره الضحل أنه يملك سلطةً على حياتك، يحاسب ويعاقب، يشتم ويسيء، ويقذفك بعباراتٍ تترك في النفس ندوباً حادة، حتى وإن حاولت المرور عليها، لكن السم الزعاف لابد له من أثر.

ومع أن آفة النفاق الاجتماعي سلوكٌ مكروه في الدين، وموصوفٌ صاحبه عند الرسول الكريم بـِ "ذي الوجهين" الذي يظهر لك وجهاً، ويضمر لك آخر، رغم ذلك تجد غالبية من أصحابك ومعارفك يخفون وجوههم الحقيقة خلف الأقنعة، يبدون فرحاً لنجاحاتك، في الوقت الذي ينهشهم غَلٌ سقام يأكل نفوسهم حسداً. هؤلاء أنفسهم تجدهم في مقدمة المصفقين لك والمهللين لنجاحاتك، وإذا ما تعثرت خطواتك، أو تقدمت في حياتك، يخرجون من جحورهم زحفاً نحو شتمك، ورميك بما تكره. غريبون هؤلاء!! كيف يستطيعون العيش مع كمٍ هائل من الحقد، يخفون ألسنةً من لهب، دون أن يرهق نفوسهم الضيق والتعب، وتوهن الأحقاد قدرتهم على المضي قدوماً في الحياة دون ترصد خصوصيات الآخرين.

الصراحة الوحيدة التي قدمها موقع "صراحة" هي أن إرضاء الناس غايةٌ لن تدركها مهما سعيت، البعض سيراك ملاكاً فينهل بمدحك ورفعك فوق قدرك، والبعض سيجعل منك شيطاناً يرجمك بالحجارة والسياط كلما استطاع، وكلاهما متطرفٌ في حكمه ونظرته

من المفيد أن يعرف الإنسان نواقصه وعيوبه، بطريقة نقدٍ بنّاء تدفع المرء إلى تحسين نفسه، وتعديل مواضع الضعف في شخصيته، بأسلوب راقٍ لا يحمل الكراهية والضغينة، ولا عنفاً لفظياً جارحاً، لتكون عندها "الصراحة" عاملاً صحياً في تطوير الذات، وتجاوز الأخطاء التي يراها الناس في طباعك وتصرفاتك. بينما عندما يكون الكلام قذفاً في شخصك وسلوكك، وتطاولاً على حريتك التي لا تأذي بها أحد، تصبح "الصراحة" وقاحةً تطبع صاحبها بالحسد والغيرة، وتشوي داخله حقداً وغلاً على غيره.

لكن إذا نظرت للصراحة من جانبٍ آخر، ستجد أنك لن تكون إنساناً سوياً إذا ما لاكتك ألسنة الناس بالمدح والذم، فإذا تكلموا عن "الله" إيماناً وكفراً، وجعلوا له بناتٍ وبنين، ونطقوا باسمه في أحكامهم المتطرفة، فمَن أنت حتى تسلم من نيرانهم؟ وإذا عصى القدماء الأنبياء والمرسلين، ونعتوهم بالكذب والخيانة والخروج على ملة القوم، ورموهم بأبشع الصفات قولاً وفعلاً، فمن أنت حتى تسلم من مكائدهم؟ وإذا وُصف العلماء بالمجانين، والفنانون بالمعتوهين، والمبدعون بالمهوسيين، والطيبون بالمغفلين، فمن أنت حتى تسلم من سخطهم؟

الصراحة الوحيدة التي قدمها موقع "صراحة" هي أن إرضاء الناس غايةٌ لن تدركها مهما سعيت، البعض سيراك ملاكاً فينهل بمدحك ورفعك فوق قدرك، والبعض سيجعل منك شيطاناً يرجمك بالحجارة والسياط كلما استطاع، وكلاهما متطرفٌ في حكمه ونظرته. لا أحد وصل إلى الكمال، كلنا محمّلون بالأخطاء والآثام والمعايب، ولدينا محاسنٌ ومكارمٌ ومناقب، ومن أقصى المستحيلات أن يراها الجميع بنفس العين، ولا يسعنا تبرير مواقفنا أمام البشرية كلها، فلا شأن للأعيان بحياتنا ما لم يكونوا طرفاً فيها، فلندع الجميع لظنونهم أنفسهم يتبعون، إن أحسنوا لها، وإن أساؤوا فعليها.