من هو الأفضل؟

blogs - نجاح
من هو الأفضل، الجندي الذي تلفحه الشمس في حدود البلاد؟! أم القائد المرفه الذي يجلس في مكتب مكيّف في وسط العاصمة؟! من الأفضل؟! مدير البنك الذي يعمل في ظروف مريحة شكلا، ويتقاضى مبلغا كبيرا؟! أم الحارس الذي يقضي يومه عند الباب، بالقرب من ضجيج السيارات وأزيز المارّة؟! من الأفضل؟! الطباخ أم المهندس؟! الطبيب أم السبّاك؟! مدرس اللغة العربية، أم مدرس اللغة الإنجليزية؟! 

في الحقيقة لا فضل لمهنة على مهنة أو لعمل على عمل إلّا بالإتقان.. الإتقان هو ما يجعل الناس يتفاضلون، فقيمة السبّاك في إتقانه لعمله، وقد يكون السبّاك أفضل من حفنة من الأطباء، ليس لأن السباكة أفضل، بل لأن هذا السبّاك يتقن عمله أكثر مما يتقن هاؤلاء الأطباء أعمالهم.. 

وقيمة الجندي تكمن في مدى تفانيه وولائه لقائده، فالتخطيط ليس من مهمات الجندي، ولا يمنحه مزيدا من النجوم، فقط كل ما عليه هو التنفيذ وبأكمل وجه، وهذا ما يحدد قيمته، وقد يفضل جنديا ألفا من القادة المستهترين الذين لا يحسنون أعمالهم..

ولكل مهنة مسلياتها ومنغصاتها، فالحارس الذي تزدريه، وترى أنه هامش في هذه الحياة، هو الشخص الأكثر استمتاعا بهذه الحياة، يغدو إلى بيته في المساء مرتاح البال، لا يفكر في ديون الشركة المتراكمة، ولا في خسائرها المتزايدة، إنه يستثمر كل دقيقة في ليلته ليبيت مرفّها، ويتلذذ بأكلته المتواضعة ذات المكونات الرخيصة أكثر مما يتلذذ المدير بأكلته الغالية، إنه فقط قرر أن يعيش حياة هادئة، وذلك بخلاف المدير الذي كانت طموحاته في حياة مليئة بالتحديات والضغوطات، ولعله لا يبذل وقتا في التفكير في موعد سداد المصروفات الشهرية، لكنه يفكر في ما هوأكبر وأطم من هذا وأكثر تعاسة.

عليك أن تختار دورك الذي يلائمك، والتحديات التي تلائمك، وفقا لنقاط ضعفك وقوتك، وعندئذ حاول أن تبرع فيه دون أن تقارن نفسك بالأدوار الأخرى، وأن تستمتع بمسلّيات الدور، وتتصدى لمنغّصاته.

عندما تقرر أن تلعب دورا في هذه الحياة، فستنحصر خياراتك لتوافق هذا الدور فحسب، ولا يوجد دور هامشي علی الإطلاق، فالبنك بحاجة إلى من يحرسه بقدر ما يحتاج إلى من يديره، وحاجة الحياة إلى السباكة لا تقل أهمية عن حاجتها إلى الطب، وقد يؤثر هذا على هذا سلبا أوإيجابا، وكل أدوار الحياة تتكامل، تماما مثل أدوار لاعبين كرة القدم، فما فائدة المهاجم لولا الحارس؟!

والشيء بالشيء يذكر، أذكر أنني ومجموعة من زملائي في الجامعة كان لنا موعد في نهاية كل أسبوع لمطاردة الجنّية المستديرة، وتعرفون جيدا أن هناك بعض الشباب الذين يتمتعون باللياقة البدنية وبالحرفية الكروية، هاؤلاء كانوا قلة في مجموعتنا، وكان إذا وصل أحدهم الملعب تنافس نحوه مدربو الفرق وتنازعوا فيه، وكان من بيننا المتوسطون، ومنّا دون ذلك، كنّا طرائق قددا، وكنت أتعسهم حظا، وأضخمهم جسما، وأبطأهم ركضا، وكلما وقعت عيني في عين مدرب أعرض عني ونأى بجانبه، حتى يأتي صديقي أيوب المدرب "الغاضب" الذي لا يقبل بأي فشل ولو كان من منطلق الخطإ البشري، وكان يزجني في المرمى.

وطالما أساءني هذا واعتبرت حراسة المرمى دور من لا دور له، وكنت ألح في كل فرصة على صديقي المدرب أن يفك أسري، وكان كلما أعطاني فرصة ذهبت ركضا حتى أصل إلى وسط الملعب ثم أعود أدراجي مرهقا وأختار المكوث في المرمى بنفس طيبة، إلا أنني ذات ليلة أخذت عهدا على نفسي بأن لا أفارق المرمى، وأن لا أدع أي شيء يتسلل إليها، وحرصت على أن لا يهز شباكها إلا الرياح، ولحسن الحظ أو لسوء الحظ كان جسمي يساعدني في مهمتي، إذ كان يسد الحيز الأكبرمن المرمى، وبالفعل أبليت بلاء حسنا، فلم يجد مهاجمهم متسعا لكي يمرر كرة خلاله، وكنت أنا النجم الكروي اللامع في تلك الليلة بشهادة الفريق الخصم الذي انهزم أمامنا، وهذا لا يعني أنني رياضي بارع، لا بل كنت مخلصا تلك الليلة أيما إخلاص، وهذا ما كان ينقصني..

ما أريد قوله هو أن كل ما عليك هو أن تختار دورك الذي يلائمك، والتحديات التي تلائمك، وفقا لنقاط ضعفك وقوتك، وعندئذ حاول أن تبرع فيه دون أن تقارن نفسك بالأدوار الأخرى، وأن تستمتع بمسلّيات الدور، وتتصدى لمنغّصاته.. هذا ملخص النجاح يا أصدقائي الناجحين.