رحيل!

blogs - sad kid
مُنذُ أن بدأ العَد. منذُ سنين لا تُعد. منذ أن كُنا صِغاراً منذ أن بَدَأَ الرَبيعُ يَحْملُ أذيالهُ وَيمضي، والغُيوم كَما الستار الذى أُسدِل مُعلِنا نِهايةَ فَصل الأمل. مَعَ أولِ تَنهِيدةٍ خَرَجت مِنكَ وكَأنها سَحَبت مِن الجَسدِ مَا تَبَقى مِن الرَوح، كَانت كمَن يَسحَبُ شَوكاً عَلَى ثَوبٍ مِن حَريرٍ فَتَمَزق، كَانَت كَسَهمٍ قد أُطلِقَ في اتجَاه القَلب فَلما اِخْتَرَقه اِحْتَرق.

جُدران هَذا البَيت الذي سَقط وسَقط مَعَهُ كُلُ حُلمٍ قد تَعَلق عَلى هَذه الجُدران؛ عَلى جُدران قَلبي. مَدرَستي التى اِنهارت مَع هذهِ الغَارةٌ الغَاشمة، واِنهَار مَعَها رَوح العِلمِ في قَلبي. أصدِقَائي الذين لَم أَعُد أرَاهُم، فَلم أعلَم أهُم أحياءٌ أم أنهم لم يَسْلموا مِن غَدر العدو؟! صوتُ الطَائِرات التي تَمُر فَوقَ رَأسي وَلكنَها تُزَلزل قَلبي، وَصوتُ ذَلك الصَغير الذي يَبكي فُقدان أغلى ما لديه "أُمه" ومع صُراخِه يَبِيت الأَلَمُ في قَلبي. الحُروبُ أشباح قاتلة. وعَقبَاتها تَقتلُ القُلوبَ قَبلَ الأبدان.

يَا صَغيري لا تَقصُص وَجَعَك عَلى القَريب.. عَلى البَعِيد.. عَلى العَالم.. فَيَكِيدوا لَكَ كَيدا، لا تَبكي فَلن يَعرِفُوا مِن دُموعك سُوَى الضعف ..وأَنْتَ قَوي.

قُل لي يا قلب: هل أوجَعك الرَحيل؟ هَل كَانت هَذهِ الرَصاصة التى اِختَرَقت صَدر أبيك قد اِختَرَقتك؟ وهل قَتَلتك؟ لقد مِتُ وأمُوت كُلَ يَومٍ حينَ أتَذكر هَذهِ الليلةُ السَوداء، رُغمَ ذَلك النُور الذي كان يُضيءُ شَوَارِعَ حَارَتَنا، فقد كانت سَوداء في جَوهَرِها وما تَحملُه مَعها، دَخَلت أشبَاح الظُلمِ وقَتَلوك أبي بهذهِ الرَصاصة الغَادرة، قَبلَ سَاعاتٍ قَليلةٌ أُحِسُ أن ذَلك قد حَدث، رُغمَ هذه السنين التى مَرت دُونك أَبي ودُونكِ أُمي.

فأينَ أنتُم وأين قَلبي الممتلئُ بالألَمِ والوجَع؟ فحَتى أين لم تَقدِرُ أن تَحْمِلَ كُل ذلك الوَجع. لأنَ الحُروب دَائِماً مَا تَغْتال" أَيْن" فَقد مَاتت كُل هَذهِ الأشياء الجميلةٌ مِن حَولي وفى رَوحِي. يا صَغيرى انظر إلىَ مَن تُحب حتى تَحفَظ صُورَته، وحَتى تَنْحُتَ في قلبِك كَلِمًاته، احضُن أُمك إلى اللانِهاية ولا تَترُك يَدَ أَبِيك فَهو مُرشِدُكَ، ولا تَنتَهي مِن اللعبِ مَع أصدقائك فأَنتَ لا تَعلم مِن أَيِّ مَكَانٍ سَوفَ تَأتي الرَصاصة وتَختَرِقَ قَلبك قَبل قُلوبِهم.

المس جُدران بَيتك وشَوَارِع حَارتك قَبل أن تَصير رُكاماً، كُل شَيءٍ فيها مُنبَطِحٌ عَلى الأرْض. يَا صَغِيري اِرسُم هذهِ اللوحة فى قَلبِك حَتى لا يستَطيعوا أن يَحْرِقوها، يَا صَغيري خَبِّئ كُل مَن تُحب في قلبك حتى لا يستَطيعوا أن يَسلبوه، يَا صَغيري اِجعَل الأمَل في قَلبك لا فيمَن حَولِك حَتى لا تَذُق كُلَ هَذَا الوَجَع، يَا صَغيري وإن طَالَك الوَجَع فاثْبت واِصبر وقَاوم ولا تَضعُف، يَا صَغيري لا تَقصُص وَجَعَك عَلى القَريب.. عَلى البَعِيد.. عَلى العَالم.. فَيَكِيدوا لَكَ كَيدا، لا تَبكِ فَلن يَعرِفُوا مِن دُموعك سُوَى الضعف ..وأَنْتَ قَوي.

ولا تَشكُ.. فَلن تُحَرِّكَ شَكواك شَيئا فى قُلُوبهم.. فَقلوبُهم كَالحِجارة، بل هي أقْسَى مِن الحِجارة. يَا صَغيري اِرمِ هَذاَ الوَجَع في عُمقِ قَلبك وَلا تَلتَفت إليه حَتى تَستطيع أن تَمضي. تِلكَ هىَ قِصةٌ كُل طفلٍ اِجْتَاحَت الحُروب وَطَنه، بل إن شئتَ فَقل سَقَطت الصوَاريخُ عَلى قَلبِه. صِغارٌ شَيَّبَ الوَجَعُ قُلوبهم.. صِغَارٌ تَحَمَلوا مَالا يَستَطيع أَن يَتَحَمَله بَشر، ألَمُ الرَحيلِ وفَقدُ الدِيارِ وَصَوتُ الدَمارِ وَلَونُ الدماءِ بِأرضِ الوَطن. فَقَبلَ شَهرٍ، قَبلَ شَهرين، قَبل سِنين لا تعد، قَبل أَعوامٍ أَكبَرُ مِن عَدد أصابع هَذَا الصَغير، قد دَخلَ الوجَعُ إلىَ قَلبي.