ذو العقل يشقى في النعيم

blogs - nature

كثيرا ما يؤرقني التفكير ويستوطن قلبي الحزن لحال امتنا، فأتذكر قول المتنبي "ذو العَقلِ يَشقَى في النّعيمِ بعَقْلِهِ… وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ" وأرد عليه في نفسي: صدقت..

مرت عقود وعالمنا العربي يعيش ظروفا صعبة كانت الشعوب تصبر عليها على أمل التغيير المنشود يوما ما. وكان الناس يتطلعون إلى ما يقوله المتعلمون والمثقفون بصفتهم المنقذ الذين يفهم جيدا أمور السياسة والصحافة والإعلام.. وكان كثير من المثقفين على تنوع مشاربهم جادين في البحث عن حلول لأزمات الشعوب الخارجة لتوها من براثن الاستعمار، فمنهم من قدم لشعبه ومنهم من تغير بعد ذلك. لكن الأمور كانت بسيطة أكثر من أيامنا هذه. كان الجهل ببعض الأمور للبسطاء يجعلهم يعيشون رغد العيش، لأنهم لم يكونوا يتطلعون لما هو أفضل، كانوا يعتقدون أن من يسوسونهم قدر منزل، فيستسلمون لواقعهم ويرضون بقدرهم.

من كان يتضامن مع أخيه الفلسطيني الذي يجابه كل يوم الاحتلال الصهيوني أو تدمع عيناه لحال أخيه العراقي الذي عانى من الاحتلال الأمريكي، قد صار اليوم أكثر وعيا أنه أيضا لا يملك زمام أمره.

في بلد كالجزائر، حين نبغ مفكر لم يجد الزمان بمثله في وقته وأوانه هو مالك بن نبي رحمه الله، كان يجد نفسه أحيانا وحيدا مع أفكاره التي سبقت زمانه، وكانت تلك الأفكار الرائعة لا تجد من يصغي لها، ولك أن تتخيل نفسك مكانه وهو يرى بلده مهجة فؤاده التي عانت ويلات الاستعمار ما يقارب قرنا وثلاثة عقود والمستعمر يحيك لها المكائد، فيحاول أن يكتب منبها لأبناء وطنه وللبلاد المستعمرة حينها بنات أفكاره التي وصل إليها بعد طول تفكر وخبرة في التعامل مع الاستعمار -حين أتم دراسته في فرنسا، فرصد بذكائه تلك الأفكار الهدامة والخطط التي تحاك وتنطلي على أبناء البلاد القابلة للاستعمار- ومع ذلك لم تكلل كثير من مساعيه حينها بالنجاح، كما يحكي لنا في كتابه (مذكرات شاهد القرن).

ونحن حين نتأمل حالنا اليوم، نجد الأغلبية العظمى لم تعد تشعر بذلك "النعيم" نعيم الجهل بماهية الأشياء، وقد ازداد الشعور بالشقاوة خاصة بعد انكشاف كثير من المستور بسبب ثورات الربيع العربي التي عرت طبيعة الأنظمة الحاكمة في بلادنا، ولم تترك لكل ذي لب شكا في أن جميع بلادنا بلا استثناء مسلوبة الحرية رغم اعتقاده في السابق أن اجداده قد طردوا الاستعمار وقضوا عليه. 

ومن كان يتضامن مع أخيه الفلسطيني الذي يجابه كل يوم الاحتلال الصهيوني أو تدمع عيناه لحال أخيه العراقي الذي عانى من الاحتلال الأمريكي، قد صار اليوم أكثر وعيا أنه أيضا لا يملك زمام أمره بل ربما من يتضامن معهم أكثر حرية منه وأكثر نضجا وخبرة ومعرفة بطبيعة المرحلة وطبيعة الأعداء منه..

وإذا كان العلم بحقائق الأمور يترتب عليه مسؤولية الفعالية وإحكام الخطط والبراعة في الوسائل والنجاعة في تحقيق الأهداف، فإن حالة الشقاوة الجماعية التي نعيشها اليوم لا بد لها من ذوي البصائر النافذة وذوي الالباب المتسمين بالحكمة وإرفاق الأقوال بالعمل الجاد للخروج من النفق المظلم الذي صار يلف كثيرا من آمالنا وطموحاتنا بغد أفضل لا ظلم فيه ولا جور ولا مصادرة للحرية.