المصري ديمقراطي بطبعه!

blogs- رابعة
أذكر أنّني كنت جالسًا مرة مع أصدقاء لي، نتجاذب أطراف الحديث في شتى المواضيع، ونقفز من قضية لأخرى ومن حيز إلى آخر، تتبارز آراؤنا ونظراتنا لهذه القضايا على مجلس في عقل كل مستمع؛ ولكن لا يحدث فيعود كل نظرة وكل رأي إلى مقعده في عقل صاحبه خائب الأمل.

أذكر أنه انتقل الحديث لوقت ما عن جمال عبدالناصر.. معذرة! أقصد الزعيم الملهم جمال عبد الناصر! حكى لنا أحد الجالسين قصة -بالطبع لم تحدث إطلاقًا- عبد الناصر والمسيحيون المزعجون.. قال صاحبنا وهو يرفع رأسه لأعلى، ويضفي ألحان عزة وشموخ على نبرات صوته «هل رأيتم كيف تعامل عبد الناصر مع المسيحيين المشاغبين المعاندين الناقمين دائما؟ هل رأيتم كيف تخلص عبد الناصر من معارضتهم -وهذا أيضا لم يحدث- الملتهبة المزعجة؟ «فقلنا: كيف؟» قال: «بطريقة ذكية جدا.. دعاهم جميعا لحضور مؤتمر، وهيأ لهم قطارًا يستقلّونه للذهاب لهذا المؤتمر، ثم أمرَ بإخراج هذا القطار عن مساره لينقلب ويهلك كل من فيه، فيعتقد الناس أنها مجرد حادثة! ويتخلص هو من إعاقتهم له، ليمضي في طريق النجاح والازدهار، ثم استطرد قائلا: «ياله من داهية، استطاع أن يتملص من إعاقتهم له بكل مكر ودهاء! هكذا يكون الزعماء»!


إنه ليس ساديا وليس وحشًا منزوع المشاعر، هو فقط شخص تربّى على ثقافة معينة؛ ثقافة الرأي الواحد والصوت الواحد، تربّى على فكرة الزعيم الأوحد الذي يقود شعبه إلى الرفاهية والازدهار.

قابلت صديقي هذا مرة أخرى بعد حادثة فض اعتصامي رابعة والنهضة وما تبعهما من حملات اعتقالات وتعذيب في السجون.. في هذه الفترة لم يكن يخلو أي مجلس من الحديث عن هذه الأحداث وتبعاتها، وبالطبع لم يخلُ مجلسنا نحن أيضا من الحديث عنها.. قال صاحبنا (بنفس نبرة العزة والشموخ) «هل رأيت كيف تعامل السيسي مع الإخوان الإرهابيين المشاكسين؟» كنت أعرف، ولكني أردت أن أعرف وجهة نظره فقلت له «كيف؟».. قال: «قام بفض هذا الاعتصام الحقير بالقوة، ومحى هذا التجمع من على وجه الأرض، وهزم هذه الجماعة الإرهابية شرّ هزيمة، وقبض على من نجا منهم ليودِعه في السجون والمعتقلات» ثم استطرد قائلا: «ياله من شجاع! استطاع أن يتخلص من إعاقتهم له بكل جرأة واستبسال»!

كثير من قرّاء هذا المقال يعرفون صاحبنا هذا جيدا، ويرونه بينهم كل يوم؛ هو موجود بكثرة بيننا، ومتوغل بين صفوف المجتمع المصري بشدة.. إنه ليس ساديا وليس وحشًا منزوع المشاعر، هو فقط شخص تربّى على ثقافة معينة؛ ثقافة الرأي الواحد والصوت الواحد، تربّى على فكرة الزعيم الأوحد الذي يقود شعبه إلى الرفاهية والازدهار، تربّى على أنه يجب أن يُخلق قطز لكل عصر؛ يدفع أمته للأمام وينتشلها من الوحل الغارقة فيه، هو لا يألَف الدولة النظامية المؤسسية التي تسير على خطى دستور وقانون يشارك في تصميمه كل أطياف الشعب.

يوقن أن المعارضة شيء بغيض يجرّ للوراء ولا يدفع للأمام، وأن الزعيم حتى يستطيع المضي نحو الأمام يجب عليه أن يُسكت كل الأصوات المعارضة ويكبّل كل القوى المنافسة! ويا حبذا إن كانت الطريقة المستخدمة لتحقيق ذلك طريقة ماكرة خبيثة، هذا يضفي نوعًا من الذكاء والعبقرية على صورة زعيمه في مخيلته!

لم يعد يعترف الكثير بالحياة الديمقراطية لندرة تكرارها؛ فشريحة كبيرة من الشعب نست معالمها من الأساس

عندما كنت أدرس في المرحلة الابتدائية، أذكر أن مدرس التاريخ حكى لنا عن دهاء وحكمة محمد علي؛ فروى لنا عن حادثة مذبحة القلعة، وكيف تخلص محمد علي باشا من المماليك الذين كانوا يهددون بقاء سلطته.. عندما قصّ علينا المدرس ما فعله محمد علي عندما جمع هؤلاء المماليك في قلعته، ثم قام بقتلهم جميعًا في جلسة واحدة، ثم قام بنفي الشيخ عمر مكرم (الذي ساعده على الوصول للحكم) خارج البلاد؛ حتى يتمكن من زمام الحكم، أذكر أن التلاميذ -بمن فيهم أنا- كانوا منبهرين بعظمة محمد علي وبتصرفه هذا، واعتبروه قمة الحكمة والدهاء!

هذه القصص وغيرها زرعت في مخيلة العقلية المصرية أن الحياة الديمقراطية والمعارضة والتظاهر هي مجرد عبث ومضيعة للوقت؛ حتى إن الكثير من الناس أرجعوا سبب فشل تجربة د.مرسي في الحكم إلى أنه لم يُسكت معارضيه -كما فعل محمد علي- ولم يقيد مهاجميه ولم يتعامل بقبضة أمنية معهم، وتعامل معهم بلطف حتى التهموه!
 

لم يعد يعترف الكثير بالحياة الديمقراطية لندرة تكرارها؛ فشريحة كبيرة من الشعب نست معالمها من الأساس، وتستطيع أن تلمس ذلك في جملة «البلد دي عايزة واحد عسكري يا بيه»! فهي تتكرر كثيرا على ألسنة البسطاء.. هؤلاء الناس لم يجرّبوا الديمقراطية سوى عام واحد، وكان عامًا مليئا بالأزمات والتخبط والاضطراب، فتشوّهت صورة الديمقراطية في مخيلتهم، وتوصّمت عندهم بالغباء والسذاجة!

هؤلاء الناس لم يعتادوا على اختيار حاكمهم بنفسهم، ولم يعتادوا على وجود رئيس لفترة لا تزيد على الأربع سنوات، ثم يأتي حزب آخر يتولى القيادة لفترة وجيزة، مطالب أن يحقق خلالها إنجازًا يفيد الناس، ويرفع مستوى معيشتهم وإلا ستطيح به الانتخابات القادمة.. هذا الكلام ساذج وغير منطقي بالنسبة لهم.. يعتبرون هذه التجربة وهذا الأسلوب أسلوبًا بغيضًا، بل هو كذبة استطاع الغرب الكافر أن يقنعنا بها! يعتبرون المطرقة هي أصح أسلوب للحكم؛ وذلك ببساطة لأننا شعب ديمقراطي بطبعه!