مملكة الحزب الواحد

blogs - north korea

"الوريث العظيم" هكذا خاطبت نشرة إخبارية الشعب الكوري الشمالي على شاشة التلفزيون الرسمي، بعد إعلان توريث رئاسة كوريا الشمالية "لكيم جونغ أون" سنة 2011 بعد وفاة والده "كيم جونغ إيل". فطريقة الحكم في جمهورية كوريا الشمالية الشعبية الديمقراطية التي لا علاقة لها بالديمقراطية؛ تعتمد على ديكتاتورية الحزب الواحد المسيطر على جل مؤسسات الدولة تحت حكم "الجبهة الديمقراطية لإعادة توحيد الوطن" بقيادة حزب العمال الذي يقوده الرئيس الحالي "كيم جونغ أون"، المعروف بجرائمه المعادية للإنسانية وفساد نظامه القمعي الاستبدادي الذي اشتهر بتعذيب وإعدام خصومه السياسيين.
 

فالنظام الجمهوري الملكي في كوريا الشمالية القائم على التوريث الذي استمر مند عهد "كيم ال سونغ"، الذي حكم البلاد من سنة 1946 حتى وفاته سنة 1994 وتولى ابنه "كيم جونغ إيل" الحكم من بعده حتى 2011 بعد أن فارق الحياة، ليتقلد "كيم جونغ أون" مقاليد "عرش المملكة" في ظل جمهورية "شعبية" مملوكة لعائلة واحدة وحزب وحيد مسيطر على دواليب الدولة ومؤسستها منذ أكثر من نصف قرن.
 

كما ينص دستور كوريا الشمالية على إلزامية النظرية "الزوتشية" التي تعتبر عقيدة رسمية للدولة، والتي حلت محل "الماركسية اللينينية" ذات التوجه الستاليني سنة 1972 في سياق الانشقاق الصيني السوفييتي كما أن الجيش أصبح هو القوة الرئيسية في البلاد عوض الطبقة العاملة. وينص كذلك الدستور في أكثر من فصل على أن حزب العمال هو القائد الفعلي والوحيد للأمة وممثلها في شخص قائد البلاد في غياب تام للتعددية الحزبية وجمعيات المجتمع المدني.
 

ينص دستور كوريا الشمالية في أكثر من فصل على أن حزب العمال هو القائد الفعلي والوحيد للأمة وممثلها في شخص قائد البلاد في غياب تام للتعددية الحزبية وجمعيات المجتمع المدني.

الجمهورية المغلقة كما يسميها البعض أو الغامضة كما يسميها البعض الاَخر غارقة في شتى أنواع الاستبداد والديكتاتورية التي تفرض قيوداً صارمة وغير قابلة للتصديق على مواطنيها، وعلى توجهاتهم في أبسط الأشياء التي تهم حياتهم الشخصية كمنع ارتداء سراويل الجينز "الأمريكية" وتحديد قصات معينة للشعر بالنسبة للنساء.

فقانون "الجمهورية" يعتبر من أغرب القوانين التي تصاغ في العالم، نظراً لصرامته وصعوبة تخيل تطبيقه، خصوصاً مع العولمة التي تجتاح عالمنا المعاصر، فمثلاً التحدث أو التعامل مع وسائل إعلام أجنبية تعتبر جريمة قد تصل عقوبتها إلى الإعدام، كما أن خدمة الإنترنت تتوفر في أماكن محدودة تحت مراقبة الدولة ويسمح بتصفح عدد محدود من المواقع الإلكترونية التي تقدر ب 5500 موقع.

أما السفر إلى الخارج فقد يعتبر حلم بالنسبة للمواطن الكوري الشمالي فقانون البلاد يمنع السفر إلا لأسباب مقنعة للحكومة مما يدفع العديد من الشباب إلى الهرب والهجرة بطريقة غير شرعية إلى الجارة الصين عبر عبور الحدود البرية.
 

إعلام الدعاية الرسمي يصنع روايات وأساطير حول الزعيم "البطل" والمحيطين به، مما يشكل هالة من التمجيد والتطبيل

أما المعارضين والمنتقدين للسلطة وحزبها فغالباً ما يتم وضعهم في معسكرات للاعتقال يتعرضون فيها لأبشع صور وأنواع التعذيب والتجويع والاغتصاب، إضافة الى ممارسة الأعمال الشاقة، فبحسب التقرير الأخير لمنظمة العفو الدولية لسنة 2017/2016 فإن هناك أكثر من 120.000 شخص رهن الاحتجاز في أربعة معسكرات معروفة في البلاد، مع ارتفاع نسبة حوادث الاختفاء القسري. حيث تم تنفيذ إعدامات متتالية ضمن صفوف النخبة الحاكمة نفسها كحالة إعدام وزير الدفاع "هيون يونغ-شول" في إبريل/نيسان من سنة 2015 بتهمة الخيانة العظمى وإبداء عدم الولاء لزعيم البلاد والتقليل من احترامه، وتصفية "جانغ سونغ تايك" زوج عمة الرئيس سنة 2013 بتهمة خيانة الثورة الكورية ومحاولة الإطاحة بالنظام الحاكم.
 

وتعتبر عبادة وتقديس شخصية الرئيس وأسرته أمراً عادياً في البلاد، فالركوع للتماثيل الذهبية المجسدة للزعماء الثلاثة الذي تعاقبوا على الحكم، والبكاء في حضرتهم، وترديد كلمات في حقهم يعتبر إلزامياً بالنسبة للأطفال في معظم مراحلهم الدراسية. كما ان إعلام الدعاية الرسمي يصنع روايات وأساطير حول الزعيم "البطل" والمحيطين به، مما يشكل هالة من التمجيد والتطبيل، بالإضافة إلى أن عيد ميلاد الرئيس يعتبر من أهم العطل الرسمية في البلاد. كل هذا يلخص مدى فظاعة الحكم الاستبدادي لكوريا الشمالية ومدى الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان التي ترتكب في كل يوم وكل ساعة مع الانعدام الكلي للحريات الرئيسية والأساسية البسيطة في مملكة الحزب الواحد بقيادة "الوريث العظيم" تحت اسم مستعار "جمهورية كوريا الشمالية الديمقراطية الشعبية"