ما بينَ الاحتلال الاستعماري والفتح الإسلامي

يقولون: "لا فرق بين الحملات الصليبية والحملات الاستعمارية لبلاد العالم وبين الفتوحات الإسلامية، فكلّهم يسمّونَ ما يقومونَ به فتحاً"! والحقّ أقول لا فَرق في ذلك عِندَ من عَميت بصيرته واشتدّ عَنته، أمّا مَن كانَ لَهُ قَلبٌ وألقى السمع فيَعرِف الحقّ مِن رَبّه ويتّبعه، ويهتدي بهدي نبيّهِ الكريم عليه أفضل الصلاةِ وأتمّ التّسليم الذي قال: (إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاَّ لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)، ولَن أعزو أسبابَ ذلك لما تمر بِه الأمّةَ مِن خنوعٍ سياسيٍّ واقتصادي وثقافي، لأنّ كلّ ما ذَكرُتهُ هوَ عَرَضٌ لا مَرَض.

أمّا المَرض فَهو اضمحلالُ العقيدةِ في النّفس، وأنا هُنا لَستُ في صَددِ سَرد أصول العقيدة الإسلامية وتوحيدِ الألوهيّة والربوبيّة، بّل أتحدّث عن مدى تجذّر العقيدة من انحلالها في النّفوس بغض النظر عن صحتها، وكَم وَجدنا في التاريخ مِن قادةٍ ابتكروا عقيدةً لا أساس لَها ولا نهاية "كصليبٍ معقوفٍ" أو مزيجٌ مِن عقائِد معاصِرةٍ لَم يُحسن أصحابها زرعها في نفوس أتباعِهم " كعقيدةِ المغول"، ولا يَحتاجُ الأمر أكثَر مِن تَرويجٍ العقيدةِ كَسِلعةٍ فيها خلاصُ النّاس ممّا يعيشونَه، وما إن يحدث وتتلقّى الجموع أوّل مبادئ عقيدتِهم فيسعَون لإخفاءِ أيّ أثرٍ لعقيدةِ منافسة ولِمَن يَحمِلُها في قَلبِه بيقين، وكلّ ذلك بمساهمةٍ لعوامل عِدّةٍ وأهمها -وأوّلها غالباً- هو عاملِ النّصر العَسكريّ.

لا جَدوى فِعلاً من تجميل وتغليف مفهوم الفتوحات الإسلامية فمبدأها واحد وهو الاستخلاف ولكن شتّان شتّان بينَ ما ننتهجه وما يقومونَ به في حروبهم، بَل كُنّا كمن قامَ بدورِ خليفة أهل الأرض على الإطلاق

وتبدأ عندها مَرحلةَ نقل الثّقافة بشكلٍ جَبريٍّ سَلِس!، فلا يَصعُب على المهزوم تناسي ما تبقى مِن آثارِ عقيدةٍ باليةٍ قد أكل عليها الدّهر وشَرِب، بَل وسيُدافِع باستماته عن إدخالِ تفاصيل تِلك الثقافة الجديدةِ التي سمَحت لأصحابِها بالظّفَر في كلّ مَحفلٍ استثماريّ واقتصاديٍّ – ولو على جثث أهلِ البلد المحتلّ ونفطه- وأعطتهم السّبق في شتى المجالات والعلوم -ولو كانَ ذلك إثرَ حرق مكتبةٍ ما-، ومَا يَلبَث الجاهِل حتّى يَجد نفسه تائِهاً فلا هوَ مِمّن ظفروا بنصرِهم المؤزّر المؤقّت، ولا هوَ مِمّن صَبَروا فنالوا!.

ولإن دعَتكَ ثقافتك أو ضَعفٌ في نَفسكَ "لاتّباعِك ثقافة من يحتل أراضي المسلمين" فلتعلم أنّ التنافس على وظيفة استخلاف الأرض سُنّة الخَلق منذُ الأزَل، فمن يملك القوة سيسعى للتملّك وللاستعمار أو "الفتح" من وجهة نظره، الفرق الوحيد أننا كمسلمين قدّمنا أفضل سيرة ذاتية للحصول على هذه الوظيفة، وهذا مثبت بالمنهج المتّبع وتاريخ حروبنا كمسلمين.

لا جَدوى فِعلاً من تجميل وتغليف مفهوم الفتوحات الإسلامية فمبدأها واحد وهو الاستخلاف ولكن شتّان شتّان بينَ ما ننتهجه وما يقومونَ به في حروبهم، بَل كُنّا كمن قامَ بدورِ خليفة أهل الأرض على الإطلاق. فما يتعرّضونَ لَهُ مِن احتلالٍ داخليّ وهوانٍ في النفس يقولُ لَهُم أنّ الأرضَ كانَت يوماً دونَ خليفةٍ!، ودونَ قوةٍ عظمى تمسِك زِمامَ هذا العالِم وِفقَ رؤيتها -وهذا ما لا نعلم حدوثه في تاريخ البشرية-، ولكننّا نَعلَم يقيناً أنّ ما مِن أُمةٍ شَغلت هذه الوظيفة كما فعل المسلمون. (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)، الحج.46.



حول هذه القصة

أصيب فلسطينيون عندما قمعت قوى الأمن مظاهرة أمام مجمع المحاكم برام الله الأحد، احتجاجا على محاكمة الشهيد باسل الأعرج ما دفع الجبهة الشعبية لتعليق مشاركتها بالانتخابات المحلية الفلسطينية، المقبلة.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة