مات المدون خالد

كتب خالد زوبل مسرورا: "هذه مدونتي الأولى في مدونات الجزيرة" وقال: "أعدكم بالإبداع".. لكن الموت كان أوفى وأسرع، أنا الآن أكتب: مات المدون خالد. أصدق ما يفعله الأحياء هو الموت، ليعبروا عن صفاء قلوبهم، ونبل أرواحهم، وطهارة أنفسهم، فلا طهارة مع الحياة، والناس لا تقتنع بك حتى تموت. حين تموت ستنهال عليك باقات الورد، وتبكيك قصائد الحزن، ستكون طيبا، لأن الموت -كما يقولون- لا يأخذ إلا الطيبين.

ابتسامة لشخص على قيد الحياة خير من آلاف الدموع بعد موته، وكلمة ثناء خير من قصيدة رثاء، وقبلة على جبين الميت لا تفرحه. مات المهندس اليمني الشاب خالد زوبل في غربة عن وطنه، والغربة موت مقطر، فكأنما هو يجرب الموت ثانية، أو كأنما أراد المقارنة بين الموتين. موت خالد مجرد انتقال من موت إلى موت، من يمن ضيق إلى مقبرة واسعة، الوطن لم يعد يتسع للجميع، والمقبرة أبدا لا تضيق بأحد، الموت هنا فرض، والحياة نافلة.
 

نحن نتعاطى مع حقيقة الموت كأنها وهم، نحمل الجنائز كل يوم ونتغافل عن دورنا وحامل النعش لا بد يوما محمول، نتسابق على فتات الحياة كأن معنا صكوك الدوام، كأن الموت لا يطلبنا من كل جانب، أدنى شيء في الحياة يسبب الموت.

أرسلت لخالد طلب صداقة على فيسبوك، لكن "هذا الشخص لا يمكنه قبول الصداقة" يقول فيسبوك، أدري لكن قلت لعل صداقة الموتى تدوم. قبل قرن لم نكن وبعد قرن لن نكن -غالبا- والمساكين من يتزاحمون على سنوات معدودة، يتقاتلون فيها على لا شيء، متوهمين القتل عذاب، وما القتل إلا موت، ومذاق الموت واحد. بعد قرن من الزمن سيحتل الأرض بشر آخرين، كل الوجوه الحاضرة ستغادر إلى أجلها المحتوم، الإنسان الأطول عمرا سيموت في النهاية، سينتهي المشوار ويموت الجميع، من تكره ومن تحب، من أضحكك ومن أبكاك.

لم يتفق الناس على شيء سوى الموت، نهاية الحياة موت لا خيار ثاني ولا بديل آخر، لا علاج يستطب به ولا طبيب، حتى التكنولوجيا تعجز عن مجرد التأجيل البسيط. نحن نتعاطى مع حقيقة الموت كأنها وهم، نحمل الجنائز كل يوم ونتغافل عن دورنا وحامل النعش لا بد يوما محمول، نتسابق على فتات الحياة كأن معنا صكوك الدوام، كأن الموت لا يطلبنا من كل جانب، أدنى شيء في الحياة يسبب الموت. من سار على الأرض سيصير تحتها، الحاكم والمحكوم، السيء والحسن، الكاتب والقارئ، وكفى بالموت واعظا للعقول، ومقرحا للقلوب، ومنغصا للأفراح. 

مر هارون الرشيد يوما برجل يقال له بُهلول، فقال له: عظني يا بُهلول. قال: يا أمير المؤمنين أين آباؤك وأجدادك؟ قال هارون: ماتوا. قال: فأين قصورهم؟ قال هارون: تلك قصورهم. قال: وأين قبورهم؟ قال هارون: هذه قبورهم. فقال بُهلول: تلك قصورهم، وهذه قبورهم، فما نفعتهم قصورهم في قبورهم؟ أما قصورك في الدنيا فواسعة فليت قبرك بعد الموت يتسع. لنعش بسلام حتى نموت بسلام، فالصعوبة ليست في الموت بل في الحياة، وكلنا إلى الله راجعون، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت.

رحم الله المدون خالد زوبل، وجعل مثواه أعالي الجنان، وغفر الله لنا إذا صرنا إلى ما صار إليه.



حول هذه القصة

التربية المؤدلجة في العمل الإسلامي التي اقتصرت على أدبيات الدعوة ككتب البنا وسيد وغيرهم من رجالات الحركة الإسلامية زرعت في لاشعور الصف الإسلامي “الاصطفائية” عن المجتمع المدّنس، و”الاستعلاء”، و “الانغلاق”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة