عن أُوروبا التي صلبت قِيم الحـرية

ظلت أوربا لعقود مضت هي الحامي والحارس للقيم الإنسانية، بل نصبت نفسها كأب شرعي لهذه القيم النبيلة. وهذا ما جعلنا نحن بقية الدول التي تصارع شعوبها للالتحاق بركب الأمم نؤمن تماماً دون شك أو ريب بأن هذه القيم هي لأوروبا دون غيرها، وعندما يتحدث الأوروبيون عن ذلك نحن لا ينبغي لنا أن نجادل في الأمـر، وأصبح النموذج الغربي هو المُلهم لبقية الأمم.

من الإنصاف يجب أن نثبت نقطة لهذه الدول، أولاً أن أوروبا ليست مجموعة واحدة، أي ثمة اختلاف كبير بين الأوروبيين أنفسهم، ومنهم من هو حديث عهد بهذه القيم الديمقراطية، ومنهم من ترسخت هذه القيم في أدبياتهم. لكن القاسم المشترك هو أنهم توصلوا إلى هذه القناعة بعدم إدارة البلاد من شخص واحد منفرد، وهذه القناعة تمثلت في المشاركة بإدارة الشأن العام للبلاد، والتنافس في تقديم أفضل خدمة للمواطن. هذه المرحلة لم يصلوا إليها بين ليلة وضحاها؛ بل بعد تدافع عظيم دفع عددا كبيرا من المواطنين أرواحهم لأجله. وأيضاً بعد تدافع فكري من مئات المفكرين والفلاسفة الذين ظلوا ينظرون لهذا المشروع الحداثي الذي أنتج الإنسان الأوروبي المتفوق، والذي أصبح مضربا للمُثل والقيم.

لكن هذه القيم العظيمة التي ضحى من أجلها هؤلاء المواطنون لكي ينعم أبناءهم في ظِلها، أصبحت تُباع الآن في سوق -النخاسة- السياسي، وأصبحت سيفا مسلطا على كل من لم ترض عنه أوروبا، حتى وإن كان يحمل ذات القيم، ويُدافع عن هذه القيم بكل بسالة، لا يرضون عنه حتى لو أتى إلى الحُكم بالطرق الديمقراطية التي تأتي بهم في الغرب. وأيضاً يمكنهم أن يمدحوا، ويتعاونوا مع حُكام مُتسلطين، بل يمكنهم أن يفرشوا البساط الأحمر لحكام وصلوا إلى الحُكم على ظهور الدبابات وبعد أنهار من دماء الشعوب. وهذا ما شهدناه في مصر، كيف استقبل دكتاتور قتل شعبه وسط النهار وأمام العالم، وانقلب على الرئيس المنتخب وأودعه السجن.

الأوربيون يقبلون بالديمقراطية فقط لشعوبهم، ولا يمكنهم مناصرة حقوق الشعوب، ويمكنهم أن يتعاونوا مع الدكتاتور لأنه يحفظ لهم مصالحهم التي هي أهم من هذه القيم التي ينادون بها.

بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة في تركيا رأينا كيف كان موقف الغرب من هذه المحاولة الانقلابية، كان موقفا هزيلاً، وجباناً لم يظهر أي موقف إلا بعد أن تأكد أن الأمور تسير لصالح الديمقراطية، حينها خرجوا ببيان ليس ببعيد عن موقفهم الذي كان مؤيدا سراً، وكانت قنواتهم الفضائية شبه المؤيدة وذهبت أبعد من ذلك عندما وصفت أن الرئيس التركي طلب اللجوء إلى ألمانيا. ظنا أن أوروبا ستقف موقفا قويا ضد هذه المحاولة الفاشلة، وتقف مع حليفتهم تركيا من أجل إسقاط الانقلاب، لكن خاب الرجاء فيهم.

الأوربيون يقبلون بالديمقراطية فقط لشعوبهم، ولا يمكنهم مناصرة حقوق الشعوب، ويمكنهم أن يتعاونوا مع الدكتاتور لأنه يحفظ لهم مصالحهم التي هي أهم من هذه القيم التي ينادون بها. لكن حينما تسمعهم انتقدوا دكتاتوراً فتأكد أنه لقد فرط في مصالحهم. إنها ازدواجية المعايير. ثم يستمر -صلب- هذه القيم بعد التدخل الألماني الواضح في التأثير على على سير الاستفتاء الدستوري في تركيا وتوجيه الأتراك بالتصويت "بلا" من أجل إسقاط ما يسمونها طموحات -أردوغان- في توسيع صلاحياته الرئاسية، وهذا الشيء يُعد أمرا مخزيا من أوروبا، ومن المانيا تحديداً.

أوروبا التي ظلت تُعلمنا الأخلاق في ممارسة السياسة، والديمقراطية، وألمانيا واحدة منهان منعت تجمعا شعبيا للجالية التركية مع وزراء أتراك كانوا بصدد شرح التعديلات الدستورية التي يُريدون أن يستفتوا فيها شعبهم. ويتعدى الأمـر إلى أبعد من ذلك حين خصص التلفزيون الألماني برنامجا باللغة التركية لتوجيه الناخب التركي بالتصويت ضد هذا التعديل الدستوري.

إنها القيم الأوروبية التي يتشدقون بها، إنها أوروبا مهد الحرية والديمقراطية. إن عداءهم لتركيا ولنهضتها القصيرة، وصعودها إلى مصاف الدول الأولى في العالم اقتصادياً وتنموياً يرعبهم، وأكثر ما يزيد من رعبهم عندما ينظرون لتاريخ تركيا العثماني الإمبراطوري، لذلك تجدهم يكنون كل هذا العداء. وأما عداءهم لتركيا يكشف كل يوم زيف الخطاب الأوروبي، ويصلُّب هذه القيم عارية أمام شعوب العالم.
زيدوا عداءكم لتركيا لنكتشف زيفكم أكثر.



حول هذه القصة

أعرب مسؤولون أوروبيون عن قلقهم إزاء التوتر المتصاعد بين تركيا وشركائها الأوروبيين، على خلفية منع مسؤولين أتراك لقاء مواطنيهم بأوروبا. كما عبر العديد من المفكرين العرب عن استنكارهم للإجراءات الأوروبية.

أجهضت السلطات التركية تهريب مهاجرين غير نظاميين لليونان وسط تحذير وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو بأن الاتفاق بين أنقرة وبروكسل في خطر ما لم تتح أوروبا حرية سفر المواطنين الأتراك.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة