ذاك اللّص رفض أن يبيعني منزلي

أيتها الحرب، اعتقدت أن ما بيننا انتهى منذ زمن وإلى اللارجعة، كنت أظن أن طائرة الغياب رحلت بي بعيداً عن فوضى وطني الممزق، ظننت أن موسم المعاناة انتهى وانقضى إلى الأبد، وأن الثأر الذي بيني وبينك رميت به في عمق البحر الذي حلقت فوقه بطائرة النجاة، وفجأة أجدني أبحث عن صور ركام بيتي الذي تحطم، أحدق إلى كل الصور التي نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، أين أجد حيّنا وبوابة منزلنا وعريشة عنب جدتي ؟ توهمت أنني لم أترك ورائي أية ضحية تفوز بها الحرب من بعد رحيلي، وأنني بترت كل الأيدي التي قد تطال ممتلكاتي وروحي.
 

ست سنوات من حياتي كبدتني خسائر جمة، فبعدما كنت تلك الطفلة التي تعيش في عمارات شاهقة ويدي والديها تصطحبها أينما حلّت، إلى طفلة مكسورة الجناح في بيتٍ ريفي مهجور، على ضفة نهر برفقة يدٍ واحدة بعدما ودعت يد أمها ومسقط رأسها (الامارات)، ثم من طفلة مكسورة إلى شابة يافعة، صلبة، تحمل الكثير من الأحلام، لكن ما لبثت أن صنعت لنفسها وطناً حنوناً في ذاك البيت الريفي، إلا وقد حان وقت الرحيل مجدداً، رحيلٌ من نوعٍ آخر ربما لا رجوع بعده.

يعود سكان هذه البيوت بعد سرقتها وازالتها تماماً، إلى نقطة الصفر، بلا مأوى، بلا أمتعة، مجردين حتى من الذاكرة، يعودون ليشترون منازلهم من سارقيها، وربما لن يستطيع أبي شراء سريره من السارق!

هو أشبه بالهروب من حقل ألغام كانت تهدد به الحرب، تناولت حقيبة سفرها الصغيرة، تجمع فيها ذكريات من بقايا والدتها التي رحلت في بداية المشوار، وأشياء لها مكانة خاصة في قلبها، ستترك منزلها الدافئ الذي ضمها واحتواها وضمد جراحها، حاولت أن تحمل في أمتعتها شيئاً من هذا الدفء علّه يدفئ هجرتها الباردة.

مضى على الفراق ٤ سنوات تقريباً، لا دفء عائلة ولا منزل يحتوي غربتها، فقط بضع صور إلكترونية عائلية تسد بها رمقها وتروي بها روحها العطشى، إلى أن حصل ما كانت تخشاه يوماً، لتستيقظ في يومٍ غائم، رياحه شديدة وبرده قارص، تناولت هاتفها في لهفة، وهي شبه نائمة، تهاتف والدها الذي تهجّر في الآونة الأخيرة من منزلهم الريفي بعد الأحداث التي ألمّت بقريتهم الصغيرة، يرد عليها بنبرته المعتادة، صوت حزين يحاول أن يخفي غصة نزوحه ويقاوم السقوط أمام هاتف ابنته الوحيدة كلما كلّمها ليقصّ عليها نبأ جديداً.

يأتيه صوتها النائم : "ألو، بابا، لماذا لم تكلمني البارحة مساءً لقد حلمت بك حبيبي، نتناول غذائنا على شرفتنا المنزلية التي تطل على النهر، كل شيء سيكون بخير صدقني"، لم يقاطع نبرة الأمل التي كانت تخاطبه بها، هو يصدقها دائماً، فهي التي لم تعتد الكذب على أحد، كان يرجو من أعماق قلبه لو أن نبوءة صغيرته تحدث بالفعل، كان سيصدقها لولا الصور والانباء التي كانت أسرع وأبلغ من يقظة طفلته التي كلمته بصوت نائم لتطمئن قلبه الذي شاخ وهرم.

"نعم يا ابنتي، أنا أصدق رؤياك وأحلامك، سنكون بخير وسنعود حتماً". تلك النبرة أيقظتها من النوم تماماً، فهي لم تغلق الهاتف مع والدها يوماً إلا بعد أن تبث به جرعات مضاعفة من الأمل والتفاؤل، لكن علمت أن ما تخشاه حصل بالفعل، وأن ذاك المنزل الدافئ والذي يعتبر حصيلة عمر كامل لرجل بلغ الستين من عمره، قد تبدد وأفل، ولم يبق منه سوى بعض الذكريات التي قد تصبح عبئاً على أصحابه.

أصرّت عائشة على إلقاء نظرة إلى صور منزلها، لكن الحقيقة المروعة ليست في هدّ البيت فحسب، فقد سرق بالكامل كبقية بيوت القرية، ولم يكن ذلك بسيناريو جديد إطلاقاً، ولا جريمة غير شرعية، فقد سرق الدفء من كل البيوت السورية قبل تلك الأدوات المحسوسة.

أن تصبح أشياءك الخاصة تباع على أبسطة الطرقات والأرصفة أمام المّارة، وتسرق نصب عينيك! وذكرياتها تسكن بك، ذاك الفستان الذي كان هدية أمي أراه على جسد غريب لا أعرفه، وتلك الخزانة التي تفوح منها رائحة قمصان أبي، وذاك ألبوم الصور الذي جمعنا يوماً، يدفن تحت الركام لأنه بلا قيمة لسارقه، فهو لا يعود عليه بالربح.

يعود سكان هذه البيوت بعد سرقتها وازالتها تماماً، إلى نقطة الصفر، بلا مأوى، بلا أمتعة، مجردين حتى من الذاكرة، يعودون ليشتروا منازلهم من سارقيها، وربما لن يستطيع أبي شراء سريره من السارق، فثمنه أصبح باهظاً على رجل متقاعد لا يملك دخلاً مادياً! وطني الذي عشقته يوماً، والذي هربت إليه في مصابي، وطني الذي كان حكاية يقصها لي والدي كل يوم مع نشوة من حنين، حولوه إلى "لص" يرمي بنا على قارعة الطرقات ويرفض أن يبيعنا مأوى!



حول هذه القصة

قالت الشرطة الصومالية إن ثمانية أشخاص قتلوا وأصيب نحو 14 آخرين في انفجار سيارة ملغمة أمام فندق في شارع مكة المكرمة بالعاصمة مقديشو. وقد تبنت حركة الشباب المجاهدين مسؤولية الهجوم.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة