حلب النَصرُ الذي لم يَكتَمِل

كنا نحيا على وقع الوعود والآمال التي وصلتنا من داخل تلك المدينة المغتصبة من رجال نذروا حياتهم للدفاع عن أرضِ الكرامة والعزَّة والشرف، قاطعينَ على أنفسهم أن هذه الأرض لن يُدنّسُها محتلٌ غاشم يريدُ سلبَ حق الحرية المقدسة لكّلِ إنسان وهي الهِبة التي منحها الله لكّل إنسان، تِلك الوعود التي دخلت إلى قلوبنا قبلَ عُقولنا تمسَّكَّنا بها وزادتنا إيماناً بنصرٍ وتمكين على يدٍ الثُلة الأخيرة المتبقية في مدينة حلب.

وأنا ابنُ تلك المدينة الحاضِرة في جهةِ الشمال، وهي القلبُ الذي ينبض في داخلي ويفيضُ بمشاعرِ الانتماء كعاشقةٍ شَرِبت من كأس الغرام فزادَها طِيبُ المذاق غراما، لكنني لم أتخيل يوماً أنَّ الحاضِرة عندما تهوي تسقط معها قلوب العاشقين لتغدو حلب بلا قلبٍ وروحٍ بِلا جسد وعاشقةٍ بِلا حبيب. 

هذا السقوط المدّوي أودى بِنا إلى الهاوية فكانت عُيوننا شاخصة وبلغت قُلوبنا الحناجر واختنقت الكلمات داخل الأفواه، وأُصِبنا برعشاتٍ ونوباتٍ لحظيّة مصدومين من واقعنا المغاير لتِلك الوعود التي قتلت فينا كُلَ أملٍ حي، وكأنَّنا أمام الربع الأخير من فيلمٍ خيالي الجميع باتَ ينتظر صحوةَ البطل بعد تِلك الكدمات التي جعلته ينزفُ دماً داخل حَلبةِ الموت، ومن خارجها الجميع كان يراقبه عن اليمائن والشمائل بنظراتٍ خافتة صامتة ينتظرون عودةَ الابتسامة على شِفاهِهم المصفرة مع أول لحظةِ نُهوضِ جديدة لتعَّلو الهُتافاتُ عالياً تُعانق سماءَ الحرية الأثيرة بيدِ جلادٍ تعهَّد بِقتلها داخل كل كائنِ داخل أسوار المدينة، 
لكنَّ النصر لم يَكتَمِل لأن عقولنا لم تتغذَّى بعد بمفهوم الحرية.

فما زالت عواطفنا حبيسة تلك العقول المهترئة وما زلنا ننتظر نصر المؤمنين ونحن لم نعمل له، ونعتبر أنفسنا أننا من الفِرقة الناجية التي تنتظر من يقلَّها إلى بر النجاة من غير عملِ أو تدبير لأفكارنا أو مراجعة حتى لعواطفنا ولكن لماذا وماذا حدث بتلك المدينة التي تعرضت لطعناتٍ من داخلها وخارجها، واغتصبت بوضح النهار أمام أعيُن أبنائِها ومنهم وبهم من كانت له يدُ بعملية الاغتصاب لا لشيء فقط لأجل مالِ أو سلطةِ زائلة سلموا أمورهم لغير الله فكان الجزاءُ من جِنس العمل وهلِكَ الصالح مع الطالح أمام مرأى ومسمع العالم بأبشعِ مشهدِ يندى له الجبين وتجفُ له الدماء من اعداماتٍ وانتهاكِ للأعراض ومجازرَ جماعية بحق الثُلة المتبقية الصَّابرة على جِراحها المعلقة آمالها بالأوفياء المتأهبين لنصرةِ المستضعفين في الأرض.

عذراً لدموع الأمهات التي لو وُزعت على رجالِ الأرض لغسلت عارهم الذي صنعوه بأيديهم، هذا العار تحول إلى لعنةٍ ستبقى مُلاصقة على جبين كل من ترك حلب ساحة تُستباح بأهلها.

تلك الفئة المتبقية هي الوحيدة التي قُتلت ولم تعلم بأي ذنبٍ قُتلت، ولم تعرف لماذا هُجَّرت ولا لأيِّ شيءٍ تمَّ بِيعها، وهل هناك أغلى وأرقى وأطهر من ثوب العزةِ والكرامة ليَتمَّ استبدالها، فحقُ لهم أن يسألوا ما هو الثمن المقبوض لبِيعِهم في سوق العبودية المُحَدثة على يد ِ مجرمي وطغاة العصر القاتلين لكل مفاهيم الحرية الحق، ونقول الحق، لأن الحرية خُلقت مع الإنسان ولم تُكتسب اكتسابا، فهي الأمر الوحيد الخاص لكل إنسان ولا يحقُّ لإنسانٍ آخر أن يسلبها مهما كبُر أو صغُر، وحدهُ الله هو القادر على سلبها لأنه المعطي والمانع والصانع والواهب، فهي هبة والهبات لا ترد إلا لصاحبها.
 
كما حقُ علينا أن نجيبَ لأننا سنُسأل أمام خالق الأحرار بماذا أجبتموهم عندما سألوكم الذين هُجروا من ديارهم بغير حق، والذين قتلوا في سبيلي، وماذا قدمتم لهم في الوقت الذي كنتم تختلفون (اليوم أنبئكم بما كنتم به تختلفون) حينها يمحقُ الله الباطل وينصر الحق وكان حقُ عليه نصر المؤمنين، علينا أن نقول الحق ولو كلفنا ذلك حياتنا وخيرُ الكلام كلام حقٍ بوجه سلطانٍ جائر.

نعم ما حدث في حلب خِيانةُ علنية على أيدي ثُلةٍ الشر التي ادعت أنها خرجت لنصرة الشعب المكلوم أصحاب النفوس الضعيفة الذين غرَّتهم هذه الحياة الدنيا وما هي إلا دار لهوٍ ولعب وما هذه الحياة إلا متاعُ الغرور، خُدعنا بأوهامٍ كثيرة وانتصارات مزيفة ومعارك استنزفت الخيّرة من شباب هذه الأمة وجُلّهم من أبناء حلب المحاصرة، ولم نكن نعلم أن قُواد المعارك تُبّع وأرباب لصالح أجندات الدول المستحكمة بمصير ربع مليون محاصر تحولوا إلى أرقام لأموات.

من كان يصدق أن حلب الشهباء التي أوجعت ركائز النظام بمعركة فك الحصار الأولى مطلع آغسطس آب الماضي وحررت إحدى أهمِ قلاعِ النظام بحلب الغربية (كلية المدفعية) أن تكبوا بجيادها وبأبنائها في معركتها الثانية في أواخر العام المنصرم، من كان يصدق أن حلبَ التي تملاً أزقتها فصائل عسكرية تنهزم أمام مليشيات ترتجف من صوت مقاتل صرخ بهتاف الحق.
 

قدموا من كل مكان في الأرض حاملينَ معهم شُعلة الحقد لتحقيق مطلب الثأر والانتقام بنفس طائفي همجي حيواني غرائزي لا يردهم ولا يشبعهم عنه إلا تلبية لتلك الغزيرة.

الحقيقة عندما تُعرف تكونُ موجعةً وقاتِلة عند الناكرين لها، وكيف لا وقد تسابق القاصي والداني لتبادل الاتهامات كي يُزيح عنه الشُبهات وينفُدَ بعائلته خارجاً دائراً ظهرهُ لتلك الجريمة المفتعلة بحق أبناء مدينته الحاضرة على تلك الجريمة، ولسوف تبقى آثارها شهادةً على كل من تسبب بإراقة دم طفلٍ كان ينتظر بارقةَ فكِ الحصار عن جدران مدينته، حتى ينعمَ بحياةٍ كريمة بعيدةً عن تلك التي يراها على شاشاتِ التلفاز العارضة لكل صنوف الذل والقتل والإجرام من قبل عصابات ومليشيات نظام بشار الأسد وحلفائه من شذاذ العصر.
 
كما ستبقى اللعنة تُلاحق خائني الأمهات الذين تعهدوا لهم أن يحفوا بأبنائهم وأولادهم وبناتهم ليأمن الجميع من آلة القتل والإجرام لمن أراد منهم الخروج لحظة فك الحصار، لكن ما حدث أشبه بثورةٍ أكلت أبناءها كتلك النار التي تأكل نفسها عندما لا تجد ما تأكله ومهما سطرَّنا من كلماتٍ فلن نكن منصفين بحق الذين احترقت أجسادهم وهم أحياء، هؤلاء الذين لم يلقوا آذانا صاغية لصرخاتهم المعذبة، فقد خانتهم أصواتهم لأنهم أطلقوها لآذان صُمّت عن سماع نداء وامعتصماه، فعذراً لدموع الأمهات التي لو وُزعت على رجالِ الأرض لغسلت عارهم الذي صنعوه بأيديهم، هذا العار تحول إلى لعنةٍ ستبقى مُلاصقة على جبين كل من ترك حلب ساحة تُستباح بأهلها وتركها فتاةً عارية تتعرض للاغتصاب من خليط دموي لا ينطبق عليهم إلا آكلي لحوم البشر من ذئاب بشرية مفترسة ينطبق عليهم أي شيء إلا ما يسمى إنسان قانون الغاب يحكمهم.

قدموا من كل مكان في الأرض حاملينَ معهم شُعلة الحقد لتحقيق مطلب الثأر والانتقام بنفس طائفي همجي حيواني غرائزي لا يردهم ولا يشبعهم عنه إلا تلبية لتلك الغزيرة التي تشعرهم بلذة هرمونية يحسبون أنها نشوة لسعادةٍ تم تحقيقها عند لحظة الافتراس، كلُ هذه المشاهد ما كانت لتحدث لولا الخيانات وعمليات البيع والشراء التي حدثت داخل المدينة وخارجها ويوم 12 /12/ 2016 كان بداية النهاية لقصة سقوط الحضارة حلب. 
يتبع…



حول هذه القصة

سيطرت قوات النظام السوري بدعم من حلفائها على عدد من القرى بريف حلب الشرقي بعد اشتباكات تنظيم الدولة، وأعلن “مجلس منبج العسكري” تسليم عدد آخر من القرى للنظام.

تدمير سوريا -الذي بدأ قبل ست سنوات- يكشف محدودية علامات التراجع، بالرغم من استعادة نظام بشار الأسد المدعوم من إيران وروسيا، لآخر معقل حضري في حلب الشرقية.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة