الدرس القانوني: من ضيق التقنوية إلى سعة العلمية (1)

لقد أصبح الدرس القانوني أكثر نمطية، بل وشارحا للنصوص بمنطقها الداخلي، لا بمنطق تفاعلي تداولي مع المحيط العلمي، يظهر من هذا التوصيف السابق أن الدرس القانوني طغى عليه الجانب التقني في دروسه الملقاة على الطلبة، بل إن هذه التقنوية قد استبدت بالعقول، فهم يدرسون ويحللون النص القانوني منفصلين عن العالم، فلا يهتمون بمقاصد الخطاب القانوني، او بمآلاته من الناحية الواقعية، وأثره على المجتمع، بل ما يهم رجل القانون هو محاولة اكتشاف النص القانون، ثم إحكام شرحه ووضع الحدود له، ومن تم الانسياق وراء نص آخر جديد، ليحكم زمامه.

لقد أنتج هذا الأمر قناعة خاطئة لدى الطلبة، بحيث يعتقدون أن امتلاك ما أستجد من قوانين وأحكام يؤدي إلى زيادة الحظ في القبول في المهن المرتبطة بالقانون، حقا إن المستجدات القانونية مفيدة في تجويد المجال القانوني، والانفتاح على ميادين بحثية جديدة، من خلال التطور الداخلي المستمر للقانون.

لكن إن الانسياق الكلي نحو التفريعات والمستجدات القانونية يؤدي حتما إلى الاقتناع الخاطئ لدى الطالب بأن الكتب التي لا تواكب المستجدات، هي كتب بالية ليست لها أي قيمة، حتى أن البعض نفر من الكتب التي تأصل للقانون، وتقرأ القانون من زاوية غير شارحة للنص فقط، بل محللة إياه ومفككة لألفاظه ومعانيه، في ضوء علم اللغة وعلم المنطق أو علم الاجتماع أو فلسفة التأويل. 
 

إن محنة تعطيل العقل في الدرس القانوني، تؤثر بشكل كبير في الممارسة القانونية، فالقاضي مثلا تحول إلى آلة لتطبيق النصوص، تلك النصوص التي سرعان ما يسعى المشرع إلى إرجاعها ذات طابع مغلق غير قابل للتأويل

إذا كان الشرح على المتون ينفع في تأهيل الطلبة لأن يمتلكوا صفة "التقنوية القانونية"، والتي تأهلهم إلى أن يكون ممارسين للقانون، فإنهم مع ذلك لن يمتلكوا صفة "العلمية القانونية"، فكيف إذن سيتم إنتاج العلمية القانونية؟ والابتعاد بذلك عن "الممارسات القانونية" داخل الدرس الأكاديمي القانوني، كما نبه لهذا الأمر الأستاذ ميشيل تروبير في كتابه "فلسفة القانون".

إن هذا السؤال لا نستطيع الإجابة عنه بطريقة صريحة، بل إن الكثير ممن طرح إجابة لهذا السؤال قد هُمش أو عُزل من إطار البحث الأكاديمي في القانون، وعلى العكس من ذلك لا زال الكثيرون ينساقون وراء الشكلانية والتقنوية.

لكن إذا كان المعطى الشكلاني أو التقني مقبول أثناء صياغة النص القانوني، أو أثناء تنفيذه، فإن دراسته وتحليله وتكوين الإطار المعرفي والنظري لهذا النص لا يجب أن تستحظر المعطى الشكلاني، بل من غير المقبول أن تنساق نحو التقنوية، فتُسقط الباحث في التعميمات وفي الدغمائية القانونية، أي الوثوق في كل ما صرح به المشرع والقضاء معا، دون فحصه، بتحويل نصوص القانون والأحكام القضائية إلى فروض، ثم البحث عن صحة هذه الفروض من عدمها، بمنهج عقلي بالأساس، لأنه يلاحظ أن الدرس القانوني يلغي العقل، بل يفترض في الطالب أنه صفحة بيضاء يملأها الأستاذ.

إن محنة تعطيل العقل في الدرس القانوني، تؤثر بشكل كبير في الممارسة القانونية، فالقاضي مثلا تحول إلى آلة لتطبيق النصوص، تلك النصوص التي سرعان ما يسعى المشرع إلى إرجاعها ذات طابع مغلق غير قابل للتأويل، وبمفهوم المخالفة يبتعد المشرع عن إنتاج خطاب قانوني منفتح على تأويل القاضي، بل إن المشرع دائما ما يحاول أن يصوب أخطاء وثغرات النص فلا يترك للقاضي أي سلطة في إعمال العقل أو إعمال التقدير والاجتهاد، فيصبح عقل المشرع مستبدا بعقل القاضي، ويقول الأستاذ محمد الشيلح في هذا الصدد:

"إن النص مهما حاول أن يفصل ما يمكن تصوره من الواقع، فإنه يبقى قاصرا عن استغراق كافة تفاصيل هذا الواقع ولذلك يقال إن القانون متناهي والواقع غير متناهي. وما يجعل الواقع غير المتناهي قابلا للاستيعاب في النص القانوني المتناهي هو القاضي بما يملكه من سلطة في فهم النص لجعله ملائما لمستجدات الواقع، وكذا الفقيه الذي يقترح الكيفية الممكن استخدامها لتحقيق هذه الملاءمة"

إن المناداة، كلما تعذر إيجاد جواب عن أي سؤال يطرح، بضرورة تدخل المشرع لتقنين هذا الجواب الذي يبحث عنه، تمثل ضربا من التشجيع على تنامي الكسل الفقهي وتجعل من القضاة مجرد قلم تنفيذي. فمن يقنع بالخمول وينصح للقضاة هذا الدور؟…".( محمد الشيلح، مدلول الفصل 15 من القانون رقم 79 – 6 المنفذ بظهـير 25 دجنبر 1980من خلال تحليل ميتودولوجي، مداخلة مناسبة تخليد الذكرى الخمسينية لتأسيس المجلس الأعلى، ص. 39-38.).

إن السبب لطغيان التقنوية على حساب العلمية في الدروس والبحوث الأكاديمية بمجال القانون، هو الجانب النفسي للباحث والأستاذ الذي يرى أنه يمتلك المجال، بل يتسيده

لكن تزداد حدة التقنوية الصرفة، البعيدة عن عقل المشتغل بالقانون، عندما يكون هذا المشتغل باحثا أكاديميا، فتسيطر عليه هواجس الممارسة القضائية والقانونية، فتراه منساقا نحو هذه الممارسة، والحال أن هذه الأخيرة هي من يجب أن تستفيد من الطرح النظري الذي يكونه الباحثون، وإن هذا التأثير السلبي بالتقنوية من قبل الباحث يعود إلى الأسباب التالية:

أولا؛ الانكباب الأعمى تجاه التخصص القانوني والانفصال عن المحيط العلمي، حتى أصبح معها الباحث في القانون الفطن يلعن تخصصه الأكاديمي، ذاك التخصص المختل، الذي يحب الانفصال عن المحيط العلمي.

فيصبح رجل القانون في موقع علوي ينظر منه إلى المجتمع ، وقد تحول الباحث إلى إنسان متقوقع في تخصصه القانوني، بل تحول إلى إنسان أناني، وقد أصبح يتصف بجنون العظمة، وعبد تخصصه اشد العبادة، فيرى أصحاب هذا التخصص القانوني الملعون أنهم يملكون مفاتيح الإصلاح، ويملكون مفاتيح الآمرية (إحدى صفات القانون الجوهرية)، بل هم أصحاب القانون الصرف البعيد عن العلمية، فلا احد يجب أن يناقش القانون من زوايا علمية أخرى، سوى زاويتهم هم، بل إن رجل القانون يعتقد أنه هو صاحب الحق الأصيل في مناقشة النص في ذاته، وغالبا ما ينتفض غضبا إذا ما حاول بعض من الباحثين في علم الاجتماع أو علم النفس بالبحث عن أوجه جديدة في القانون.

ثانيا؛ إن السبب الثاني لطغيان التقنوية على حساب العلمية في الدروس والبحوث الأكاديمية بمجال القانون، هو الجانب النفسي للباحث والأستاذ الذي يرى أنه يمتلك المجال، بل يتسيده، ولما يصبح الباحث متملكا للقانون، ومعتقدا أنه هو الوحيد الذي له الحق أن يناقشه، فإنه يغرق في المعطيات الشكلية المتربطة بالآجالات والتقادم وأحكام متفرقة في القانون بطريقة أحادية بعيدة عن العلمية قريبة من جمع المعلومات من باب استعراض العضلات على باقي زملائه، في حين إذا كان الباحث يتعامل مع القانون بأسلوب الكينونة لبحث في هذه المعطيات القانونية (أجالات أو أحكام أو شروط أو أركان …) عن المعنى، وعن المقاصد والخلفيات والعلل ومآلات التطبيق على مستوى المجتمع. 

ولعل أبرز من عقد المقارنة بين أسلوبين يسودان في العالم، هو عالم النفس الأميركي إريك فروم الذي ميز بين أسلوب الكينونة الجوهري وأسلوب التملك المظهري في كتاب له بعنوان: الإنسان بين الجوهر والمظهر، عالم المعرفة، عدد 140، غشت 1989.

لقد حاول أريك فروم أن يقتني بعناية كافية تجارب ومقارنات واقعية لفهم هذين الأسلوبين، فقد قام بمقارنة الطالب (القانوني مثلا) الذي يتعامل مع المحاضرة بطريقة تملكية لا تهتم إلا بمجال ما سيدونه في المحاضرة، ثم يحفظه عن ظهر قلب ويحرص على ألا تضيع أوراق المحاضرة، أما الطالب (القانوني) الكينوني فيتعامل مع المحاضرة بطريقة أكثر عمقا، فيطورها ويبحث فيها عن كثير من الإشكاليات ذات المعاني المتعددة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة