هل انتحر سنّمار أم قُتل؟

مدونات العامل

عندما شاهدنا بُرجي التجارة العالميّين يتهاوى كلٌّ منهما أرضاً في أحداث 11 سبتمبر التي لن تُنسى تملّكَنا الاستغرابُ والخوفُ وعدم التّصديق في لحظتها ثمّ تملّكَتنا الحيرةُ من تبِعَات هذا الانهيار في علاقة الغرب مع الشرق والسياسة مع الأديان، وأنا اليوم انحسَرَ تفكيري في الأبراج والمباني الشاهقة وناطحات السحاب الدوليّة عن حقوقٍ ومستحقّات للعمال والأيدي العاملة التي بنَتْها ووضعَت لبناتها لبنَةً فوقَ لبنة حتى وصلَ هذا الطول ليقفَ معتمداً على نفسه مبهراً العيون ومستنشقاً عبابَ المُزن..

 

فالمدّة الزمنية التي يستغرقها تشييدُ صُروحٍ عالية في الهواء مثل برجي التجارة المنهارين قبل ست سنوات تستلزمُ وفوداً من العمالة البشريّة قادرة على ترجمة الخطوط والرسومات الهندسية إلى واقعٍ ملموس محسوس مُشاهد للعيَان، وهؤلاء العمال جميعهم مسئولون مباشرة عن الأداء الطبيعي أو المأمول من المواد التي يُؤمرون باستخدامها سواء كانت سائلة أم جامدة وهم كذلك أعلمُ الناس بمدى صلاحيّة الجزء الذي قاموا ببنائه من غيرهم لأنهم هم من أفرغَ فيه الجُهد والوقت والاجتهاد..

 

وعندما يزدادُ البناء ارتفاعاً وتعلو همّة المشرفين تعلو كذلك معها موقعةُ التشييد وبقعة العمل لذاتِ العمال أو لغيرهم من القادرين على العمل في أدوارٍ علويّة طلوعاً ونزولاً، ولكنّ الأمر يبدو أكثرَ إثارة عندما يصلُ بهم البناء للطابق التسعين أو الدور العاشر بعد المائة ممّا يجعلني أجزِمُ بأنّ أولئك العمّال الذين رضوا بأن تكونَ أرواحهم على كفوفهم تُحفزُّهم وعودٌ وعطاءات دنيويّة غير التي ينالُها "عَتّالو الطّريق" أو "عُمالُ المَحارة" ولا حتّى "عُمّالُ المناجم" في دول شرق آسيا..

 

فالإنسانُ الذي يرضى أن يُطيعَ الرافعات العملاقة لتوصلَهُ إلى أعلى طابقٍ في بُرجِ دبي الأسطوري الذي ينتظرُ العالم تدشينه في القريب العاجل لا شكّ بأنّه يُغامرُ بنفسه وروحه ومستقبلِ نظرته للدنيا من الأسفل إلى الأعلى وهو يعملُ عمَلَ البنّائين في الهواء، ويدهنُ جداراً بكميّة من مزيجِ الأمل ويربطُ مسماراً بخلاصة المستقبل هناك، ولا شكّ بأنّ هذا العامل قد أهّلتْهُ الدنيا بفقرها واحتياجاتها وما يدور فيه من مغالطات ومتناقضات لكي يركبَ الصّعب ويرمي بنفسه في شواهق الاحتمالات ومهالك النّاطحات..

 

يُنادي كثيرٌ من الناشطين في مجال حقوق بني آدم بأحقّية العامل العادي الذي يُخاطر بنفسه في "مناجم الفحم" بدول الغرب والشرق غير العربي في المميزات التي تعادلُ ما يقدّمه من احتماليّة الهلاك أو الإصابات الخطرة وفقدان الحياة أو مقوّماتها الجسديّة

والأمر الذي يُثبِتُ بأنّ العملَ في الأدوار الأعلى الخطرة مجازفة تقتربُ من الجنون أنْ نرى كثيراً من هواة تسجيل الأرقام القياسيّة في دفتر "غينيس" يبحثونَ عن الشهرة وهم يتسلّقون مباني تمّ الانتهاءُ من بنائها ويقدّمونَ لفتاً لأنظار العالم حولَ صعوبة الموقف وهم يحملونَ معهم جميعَ الاحتياطات وتتابعهم كلّ فرق السلامة والإنقاذ، فكيفَ بمن استسلمَ لشركة لا ترجو من بناء الأبراج سوى قبض الثّمن الذي لو وضعَ فيه الدولار فوقَ الدولار لبلغَ مبلغاً في السماء فوق أيّ ناطحةٍ أودَتْ بحياة فقير..

 

يُنادي كثيرٌ من الناشطين في مجال حقوق بني آدم بأحقّية العامل العادي الذي يُخاطر بنفسه في "مناجم الفحم" بدول الغرب والشرق غير العربي في المميزات التي تعادلُ ما يقدّمه من احتماليّة الهلاك أو الإصابات الخطرة وفقدان الحياة أو مقوّماتها الجسديّة، ولا نسمعُ في وطننا العربي بمن يُنادي بحقوقٍ بسيطة أو متوسطة أو عالية لعمّال شيّدوا في بلداننا عمارةً ينظرُ لها العالم بانبهار أو اعتلوا أسطحَ بناياتٍ معلّقين بينَ الأرض والسماء ينظّفونَ زجاجاً أو يضعونَ قطعة إسمنتية في موضعها..

 

إنّ الخطرَ المادّي المرئي للعين المجرّدة في هذه الأعمال لا ينكره أحدٌ ولو كان مالك الشركة الهولنديّة أو صاحب المؤسّسة اليابانيّة ولكنّ الانعكاسات النفسيّة والمعرفيّة على من أمضوا زمناً طويلاً وهم يعملون في هذا القدرِ من العلو أمرٌ لم يجد في دراسات حقوق العمّال حقاً ولا في إحصائيّات العيادات النفسيّة والعصبيّة اهتماماً لنرى كيفَ يفهمُ هؤلاء العالم من حولهم وهم الذين يقضونَ نهارهم فوقَ الرؤوس ويقضونَ مساءهم وليلَهم في سُفليّة اجتماعيّة طبقيّة مُحرقِة..

 

ولقد شكّلَ سقوطُ العمال من علوّ عاديّ أثناء ممارسة عملية البناء في قطاع المقاولات ظاهرةً كبيرة يجحدُها الاقتصاديون والمستثمرون خوفاً على شهرة مؤسّساتهم وانصراف بقيّة العمالة عنهم، فكيفَ بسقوطٍ نفسيّ رهيب يتعرّضُ له العمال بأبراجٍ عالية مخيفة رهيبة وهم لا يملكونَ لأنفسهم حقّاً في التهيئة للصعود للأعلى ولا وقتَ نقاهة للتهيئة للنزول للأسفل، إنما هي ورديّاتُ عمل يُساقُ لها العمالُ بقهرٍ مادّي واستفزازٍ ماليّ يحتاجه هؤلاء ويستخدمه أصحابُ العمل أسوءَ استخدام..

 

كما أنّ نسبةَ الخطأ المسموحُ بها كلّما اعتلى الطابقُ فوقَ أخيه تقلّ أكثرَ من سابقتها ويزدادُ الضّغطُ النفسيّ على هذا العامل المسكين الذي قِيدَ لهذا المكان الخطر بحبلِ تطلّعاته البسيطة لكيْ يوازنَ بين زاويتينِ أدقُّ من إبرةِ الخيّاط مرّتْ على أناملِ المهندس كالنسمة العليلة وعلى توقيعِ المسئول كلحظات الانتصار وعلى استلامِ مدير المشروع كالماء الزلال وعلى العامل كساعات الغرق ودقائق النجاة..

 

إنّ الحوادث مثل سقوط عامل من رافعة أ وما على نفس هذا النسق المُهلك لو حدثتْ خطأ بعدَ احتياطاتٍ بشريّة كبيرة، تُحاطُ بكثيرٍ من التعتيم والسرّية لكي تمنعَ وصولَ الخوف لقلوبِ المنتظرين في طابور العمالة العاطلة.

لا أدري كم هو راتبُ العامل الذي يعملُ في الدور العشرين بعد المائة مقارنة مع العامل الذي دخلَ نفقاً من أنفاق مناجمِ الفحم العالمية عمقها قريباً من الألف متر، ولا أدري ما هي الحقوق الذي يمنحها نظامُ العمل والعمال في وطننا العربي للعمال الذين يهدمونَ الجبال في مكّة لصالح توسعة الحرم أو تنظيم ساحاته مجازفين بأنفسهم مع صخورٍ لا يعلمُ تماسكها إلا الذي خلَقها مقارنةً بعمالٍ يشقّونَ للناس الطّرق وسطَ جليدٍ وأجواءٍ ثلجيّة عاصفة ويقودونَ جرّاراتٍ قد تنزلقُ بهم لتزهقَ أحلامهم قبلَ أرواحهم..

 

والذي أعرفُه بأنّ الحوادث التي من هذا النّوع وعلى هذا النسق المُهلك ولو حدثتْ خطأ بعدَ احتياطاتٍ بشريّة كبيرة تُحاطُ بكثيرٍ من التعتيم والسرّية لكي تمنعَ وصولَ الخوف لقلوبِ المنتظرين في طابور العمالة العاطلة، وتحبسُ كذلك أيّة ردّة فعلٍ للإنسان العادي تجاهَ أخيه الإنسان وهو يُتاجَرُ بأحلامه وآماله في توفير قوتِ أبنائه ويُدفَعُ للتضحية دفعاً لقاءَ مالٍ ـ ولو عظُمَ ـ لا يساوي لحظةَ خوفٍ هناك..

 

ثمّ ماذا لو قرّرَ عددٌ من العمال الذين فقدوا الأمل في حياةٍ كريمة بأنّ يقوموا بعمليّة انتحارٍ جماعيّ احتجاجاً على أوضاعهم من خلال آخر يومٍ وآخرِ دورٍ يُبنى في شاهقةِ عمارات أو عالية ناطحات، وماذا لو فقَدَ بعضٌ من العمال السيطرة على هواجسه ونفسيّته وهو في ذلك العلوّ وتعذّرِتْ السيطرة على تصرّفاته، وماذا لو خانَ بعضُ العمّالِ أمانتهم وهم يبنونَ في السماءِ معراجاً ولم يضبطوا المقاييس والمقادير كما ينبغي ويعلمونَ بذلك متى سيسقطُ البناء بعد أن يزدحمَ بالساكنين والزائرين؟

 

وأنا ـ والجميعُ ـ يعلمُ بأنّ "الجيوشَ الأمريكيّة" التي غزَتْ العراق ولا زالت تغزو أفغانستان توفّرُ لها الإدارة الحاكمة من الأطباء النفسيّين والرعاة الاجتماعيّين والاختصاصيّين في مجال الدعم المعنوي ما يضمنُ لمنتظري النتائج شيئاً من الصدق ـ المزيّف ـ في ادعاءات الحرب ودوافع القتال، ومن يرى أحوالَ هؤلاء العمال وهم يتعرّضونَ لضغوطٍ عصبيّة في الهواء ويشعرُ بما يشعرونَ به لا أظنّ بأنّه يستكثرُ عليهم لجنةً أو منظّمةً أو مؤسّسة غير حكوميّة ترعى شئونهم في ظلّ هوسنا بالأبراج..

 

قد أكونُ مخطئاً في إحساسي بهذا الأمر ولكنّي لم ألاحظ في وطني العربي الكبير من يُلقي لهذه الفئة من العمال بالاً ليقدموا على هذه الأعمال وهم يعلمونَ بأنهم مُقدمونَ على حربٍ مع طبائعهم ومعاركَ معَ أيدلوجيّاتهم ومنازلاتٍ جبّارة مع ثقافتهم وفهمهم للأشياء إضافة لتهوّرٍ بالنّفس جِدُّ خطير، ولم أسمع من المهتمّين بحقوق فئات الشعوب العربيّة من يخصُّ هؤلاء العمّال في الهواء بإيضاحاتٍ لنا تطمئنُنا على أحوالهم وحرّية اختيارهم وتأهيلهم البدني والروحيّ والمادّي لهذا المشوار، أم هوَ جزاءُ سِنِّمَار؟