شعار قسم مدونات

بين عرب آيدول وأزمة الدجاج.. مآذنُ حزينة

مدونات - مأذن

غزتْ صور الدجاج مواقع التواصل الاجتماعي في الضفة الغربية بمختلف الإضافات والتعديلات في التعبير الساخر عن السخط لارتفاع أسعاره، كما علتْ أصواتٌ تدعو للمقاطعة، وامتلأ العملاق الأزرق بعبارات السخرية من هذا الارتفاع، كاستبدال الدجاج بالعدس والبصل، ومن جهة أخرى سعت بعض المؤسسات لطرح حلول لحلِّ الأزمة، وراح كثيرون يحللون أسباب الأزمة ويبحثون بدورهم عن مخرج لهذا المأزق الذي أرهق كاهل الشعب الفلسطينيِّ من سكان الضفة الغربية، وبدأت تقارير وسائل الإعلام تكثر حول الموضوع، كما ذهب البعض منها لعمل المقابلات وأخذ آراء الشارع حول الأزمة، وربما قريبًا يصدر استفتاء بحق هذه الأزمة الخانقة، وبالطبع فإن رياح الأيام القادمة تحمل لنا مزيدًا من الأخبار. 

بُلينا قبل أسابيع بسعار عرب آيدول وما يحمله من إفساد ممنهجٍ للعقول وكيٍّ للوعي وإلباس الباطل ثوب الحق المزين بزيف الحريات والنضال الصوتي الغنائي.

هل يعقل أن يكون أعظم مصائبنا ارتفاع سعر الدجاج؟ أليس ألبق بنا ألا نأكل الدجاج وننتهي عمَّا نحن عاكفون عليه؟ هل ننتظر في الأيام المقبلة أن تخرج حشود إلى الشوارع في مظاهرات تنادي: يهبط يهبط سعر الدجاج! لقد أشغل هذا الارتفاع الشارع فكان عنوانًا رئيسًا للحدث هذا الأسبوع، إنَّه لمن العجائب بل من المحزن المعيب أن نظهر بهذه الصورة، لا يعقل أن تتغلغل السخافة فينا وتشغلنا بطوننا لهذا الحد، أم تناسينا نبأ أقوامٍ ضُربتْ عليهم الذلة والمسكنة ما أشغلهم إلا بطونُهم، وما أشبه الحاضر بالأمس: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ ) أيلهينا الذي هو أدنى عن الذي هو خير؟

بُلينا قبل أسابيع بسعار عرب آيدول وما يحمله من إفساد ممنهجٍ للعقول وكيٍّ للوعي وإلباس الباطل ثوب الحق المزين بزيف الحريات والنضال الصوتي الغنائي، فما كدنا ننسى زيف الفرحة التي أنست البعض جوهر قضيتهم وشوَّهت صورة الشارع الفلسطيني، حتى جاء الدجاج ليعلن تمرده على الواقع ويطالب برفع أجره، لينغمس الشارع الضفيُّ في أزمة مصالحةٍ جديدة، فمن أزمة مصالحة فصائله الكبرى، لأزمة فُرقة واختلاف مع صاحب العرف الأحمر، ليستمرَّ مسلسل الكرِّ والفرِّ بين قضية وأخرى لإشغال هذا الشارع بما يشغله عن قضاياه الأساسية، فمذ أضحت لقمة العيش هي الهمُّ الأول أصبح العبث بها ومسُّها أمرًا خطيرًا، لا أنكر أنَّ لقمة العيش مطلب بل حق أساسي، ولكنه إن اعتلى صدارة طموح الشارع الفلسطيني، فستزول قيمة تحرير الأرض مع الوقت، فهذه الأرض تحتاج لصبر وعزيمة، أرض الشهداء لا يشغلها رغيف خبز عن تحرير كل شبر مغتصب فيها، فلا بُدَّ من وقفة رجل رشيد، من تحديد لمعالم الطريق، من أن نكيل الأمور بمكيالها الصحيح.

هذا ويعاني إعلامنا الفلسطيني في طريقة إظهاره لقضيته على أنها قضية مظلوم فعلًا، ويتفوق الإعلام الإسرائيلي في هذا الجانب، فيجعلون من المجرم ضحيةً بتقرير إخباريِّ أو قصة صحفية، بينما يكتفي إعلامنا بالتمجيد والتعبئة دون نهج سليم، كما أن حمى فقه الأولويات أصابته، فتعامله مع قضية ارتفاع أسعار الدجاج وسعي وكالاته المختلفة لنيل سبق صحفي كان له تأثيره السلبي على صناعة الوعي المضلل بغير قصد، فالإعلام هو أهم ركائز صناعة الوعي، ولا يتأتى لأي أمة التقدم دون إعلام ناجح فعال ونوعي، يبرز أهم معالم قضيتها ويسهم في وحدة صفها ورصِّه، فلم يعد الإعلام السلطة الرابعة، بل إن تكنولوجيا العصر الحديث جعلتْ منه السلطة الأولى، وعليه فإن دور الإعلام يتعاظم وبالمثل هي كذلك مسؤولياته، فلا بُدَّ للإعلام الفلسطيني من إعادة هيكلة جادة لمواده المطروحة وطرق عرضها وترتيب أولوية كل منها، على أن يكون الهدف الأسمى دائمًا هو تحرير الأرض والسعي لنيل دولة مستقلة بمعنى الكلمة.

قال درويشُ يومًا: ولكني إذا ما جعتُ آكل لحم مغتصبي، حذار حذار من جوعي ومن غضبي!

علينا أن نعترف بأننا في الشارع الفلسطيني ككل نعاني من عجز في تحديد سُلَّم الأولويات، من أنَّ قواميسنا فقيرة لهذا الفقه، فهل من المعقول أن يمرَّ إقرار قانون منع الأذان بهذا الجمود، هل يعقل أن تكون مآذن الأقصى حزينة ولا مواسي لحزنها إلا قليل، أصبحَ من طبعنا الاحتفاء بشهيد بطل وتمجيده، وبذات الوقت ننسى واقعًا يكابد ويعاني ويقاسي مرارة الاحتلال وظلمه، هل ننتظره كذلك ليستشهد حتى نحتفي به؟ اقتحامات المسجد الأقصى أصبحت ممارساتٍ يومية، بل وصل الاستفزاز لتشريعها وإحقاقها لليهود دون أدنى ردة فعل، أصبحنا نشاهدُ من بعيد وننتظر بطلًا آخر لنمجده، كم من العذابات والآهات سنتجرَّع لنصحو لنفيق من غفلتنا؟ لماذا لا تصنع بنا الأرض المغتصبة المسلوبة ما يصنعه بناء غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار؟ في كل يومٍ تزداد أعداد المعتقلين وتزداد الانتهاكات والجرائم، أحكامٌ تعسفية، مصادرة أراضٍ، حرمانٌ من التعليم، فرضٌ للمناهج الإسرائيلية لغسل العقول، وكم وكم وكم فماذا بعد هذا أكثر ألمًا؟

قال درويشُ يومًا: ولكني إذا ما جعتُ آكل لحم مغتصبي، حذار حذار من جوعي ومن غضبي! فلا تجعلوا جوعكم جوع البطون والأبدان، بل اجعلوه جوع الأرواح لحرية تعانقها، لقباب تقبِّلُها، لمآذن تحتضنها، لساحات تطوُّف بها، ولمساجد تسجدُ في منابرها، لأجل هذه الأرض الحزينة، فالأرض تحزنُ حين يسترخي الرجال مع النهاية عاجزين، فلا تبقوا عاجزين!