شعار قسم مدونات

الأُنسُ بالقرآن!

blogs - القرآن
أمرنا الله تعالى بالتفكر في آياته وآلائه، فآيات الله تعالى تقع غالبًا بين كتابه المقروء "القرآن الكريم"، وكتابه المنظور "هذا الكون الواسع الفسيح"، والقرآن لا تنقطع عجائبه، فكلما أمعن الناظر فيه تأملاً اندهش من هذا البحر الفياض بالخيرات والأعاجيب!

لقد ذهب رأس الكفر والنفاق في مكة "الوليد بن المغيرة" محاولاً إثناء محمد صلى الله عليه وسلم عن دعوته، فلما فرغ من محاولته الفاشلة، أسمَعه النبي صلى الله عليه وسلم كتاب الله، فلما رجع الوليد إلى قريش رقيق القلب متأثرًا، وكان رجلاً بمقاييس عصره مثقفا ذوّاقة لفنون الأدب والشعر، حاول القوم التأثير عليه -باعتباره من علية قريش وساداتها – ليذم هذا الكلام أمام العامة، فما كان من الوليد إلا أن قال لأبي جهل: "مَاذَا أَقُولُ فَوَاللَّهِ مَا فِيكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمَ بِالْأَشْعَارِ مِنِّي، وَلَا أَعْلَمَ بِرَجَزٍ وَلَا بِقَصِيدَةٍ مِنِّي وَلَا بِأَشْعَارِ الْجِنِّ، وَاللَّهِ مَا يُشْبِهُ الَّذِي يَقُولُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، وَوَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ حَلَاوَةً، وَإِنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةً، وَإِنَّهُ لَمُثْمِرٌ أَعْلَاهُ، مُغْدِقٌ أَسْفَلُهُ، وَإِنَّهُ لَيَعْلُو وَمَا يُعْلَى، وَإِنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ" (الحاكم: المستدرك على الصحيحين 2/550 ح 3872).

إن القلب يعتل حين يهجر القرآن، اعتلالا تزيده الغفلة وفتن الحياة وشواغلها، ويظل الإنسان يصارع الحياة في طلب القوت والزوجة والولد، ولا تراه مع كتاب الله إلا مثل الضيف الخفيف.

تلك هي الحقيقة التي اعترف بها سادات اللغة والعالمين بها في زمن الفصاحة والجزالة، لكن عجائب القرآن لا تقف عند الإعجاز اللغوي، فأثره الجلي أنه كتاب هداية ورحمة وقرب من الخالق عز شأنه.

وإذا كان الكافر القديم قد رأى تلك الحقيقة بازغة في كتاب الله، فنحن أحوج ما نكون اليوم إلى إعادة التموضع أمام هذا الكتاب الخالد، إلى النظر في آياته، فـ"القرآن أدى دوره للبشرية، وما يزال هو هو؛ فالإنسان ما يزال هو هو كذلك. ما يزال هو هو في حقيقته وفي أصل فطرته. وهذا القرآن هو خطاب الله لهذا الإنسان- فيمن خاطبهم الله به. خطاب لا يتغير؛ لأن الإنسان ذاته لم يتبدل خلقا آخر، مهما تكن الظروف والملابسات قد تبدلت من حوله، ومهما يكن هو قد تأثر وأثّر في هذه الظروف والملابسات.. والقرآن يخاطبه في أصل فطرته وفي أصل حقيقته التي لا تبديل فيها ولا تغيير ويملك أن يوجه حياته اليوم وغدا لأنه معد لهذا، بما أنه خطاب الله الأخير وبما أن طبيعته كطبيعة هذا الكون ثابتة متحركة بدون تبديل". (سيد قطب: في ظلال القرآن 1/349).

والحق أن القرآن يؤثر أشد التأثير في هؤلاء الذين يقرأونه بقلوبهم قبل ألسنتهم، بأوعيتهم وأفئدتهم قبل آذانهم وأعينهم، يستشعرون فيه المعاني قبل الألفاظ والمباني، حين يمر على القارئ منهم مشهد يصف الجنات والنعيم المقيم الخالد الذي لا يبغي الإنسان عنه حولاً مهما تطاول عليه الزمن يرجو ويدعو ربه أن يكون من هؤلاء المنعّمين، وحين يمر على آيات تصف أهل الجحيم وموعودهم وخذلانهم، وأنواع الموبقات والآلام والعذاب الملقى عليهم يفزع من هذا المشهد وهوله، ويهرول إلى الرحيم داعيًا إياه أن يجنبه هذا المصير البائس!

ولقد صدق الإمام أبو القاسم القُشيري حين علَّق على قوله تعالى في سورة الأنعام: (وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155)) بأن "إنزال الكتاب عليهم تحقيق للإيجاب، وإذا بقي العبد عن سماع الخطاب تسلى بقراءة الكتاب، ومن لم يجد في قراءة القرآن كمال العيش والأُنس فلأنّه يقرأ ترسّما لا تحققا" (لطائف الإشارات 1/512)، فذلك الذي لا يلتذ بكتاب الله، ولا يرى فيه كمال العيش والأنس والقُرب منه محروم؛ لأنه لم يتعد رسم الكلمات إلى جوفها، لم يتمكن بعدُ من اختراق حُجب هذه الأحرف إلى تجسيدها في قلبه صورًا حيّة مؤثرة في نفسه، ولا شك أن الوصول إلى هذه الغاية يحتاج إلى استقامة النفس أولاً على الطاعة، وإلى التدرب على الإخلاص والتقوى.

إن دواء القلوب لا يكون إلا في خمسة أمور ذكرها الإمام الخوّاص ذلك الزاهد المشهور، وهي: "قراءة الْقُرْآن بالتدبير، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عِنْدَ السحر، ومجالسة الصالحين".

إن القلب يعتل حين يهجر القرآن، اعتلالا تزيده الغفلة وفتن الحياة وشواغلها، ويظل الإنسان يصارع الحياة في طلب القوت والزوجة والولد، ولا تراه مع كتاب الله إلا مثل الضيف الخفيف لا يُعرّج عليه إلا إذا جاء شهر رمضان كنوع من العادة لا أكثر!

لقد أدرك أسلافنا درجة الأنس والقرب من الحضرة الربانية حين اقتربوا من الدوحة القرآنية واستظلوا بظلها الوارف، وعلموا أن دواء القلوب لا يكون إلا في خمسة أمور ذكرها الإمام الخوّاص ذلك الزاهد المشهور، وهي: "قراءة الْقُرْآن بالتدبير، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عِنْدَ السحر، ومجالسة الصالحين". الأمر الذي يؤكده وهيب بن الورد قائلاً: "نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئاً أرق للقلوب، ولا أشد استجلاباً للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره". 

وهو ما يراه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي أيضًا؛ ذلك أنه رأى أن "تأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة؛ فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت، وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح وعند ذكر الله وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعاً لجلاله واستشعاراً لعظمته وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله عز وجل كذكرهم لله عز وجل ولداً وصاحبة يغض صوته ويكسر في باطنه حياء قبح مقالتهم، وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقاً إليها وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفاً منها، وَلَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم لابن مسعود "اقرأ عليَّ" قال: فافتتحتُ سورة النساء فلما بلغتُ (فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيدٍ وجئنا بك على هؤلاء شَهيداً) رأيتُ عينيه تذرفان بالدمع فقال لي: "حسبُك الآن"؛ وهذا لأن مشاهدة تلك الحالة استغرقت قلبه بالكلية". (إحياء علوم الدين 1/285، 286).

فالقارئ في أحوال أهل السلف مع القرآن يرى أنهم كانوا أشد قربا وفهما لهذا الكتاب العظيم، لقد أدركوا هذا النص الكريم، ورأوا أن كرامته وعظمته تأتي من الخالق عز وجل، فهو كلامه الذي يعلو كل كلام، " فإذا تلاه العبدُ فإنما يتكلم بشيء قد كان عند الرب سبحانه وتعالى، ولم يخلق منذ نزل إلى العباد، ولا يخلق ولا يتدنس؛ فهو على طراوته وطيبه وطهارته … وليس تأليف الله تعالى كتأليف العبد" (القرطبي: التذكار في أفضل الأذكار من القرآن الكريم ص48).

ولذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رب العزة تبارك وتعالى قال: "من شغَله قراءة القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيتُه أفضل ثواب السائلين، وفضل القرآن على سائر الكلام كفضلِ الله على خلقه" (البيهقي: شُعب الإيمان 3/393 ح1860).

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.